تحليل – خليل الزكري: في خضم الواقع الصحفي اليمني المعقد، وتصنيف المنظمات الدولية للبيئة المهنية الصحفية بأنها من بين الأخطر عالمياً على حياة وممارسة الصحفيين، تبرز مواقع صحفية في محاولة جادة لخلق مساحة للخبر الموثوق والتحليل الهادف.
في ظل هذا الوضع المعقد يأتي موقع “يمن ديلي نيوز” ضمن تجربة صحفية تحاول كسر حلقة الاستقطاب والخطاب الأحادي، وتقديم نموذج صحفي متوازن، فهو ليس مجرد منصة إخبارية تضاف إلى المشهد، أكثر مما هو مشروع صحفي يحمل فلسفة تحريرية واضحة وجريئة في آن واحد.
يقدم الموقع رغم الفترة القصيرة على إطلاقه في (3 مايو 2023)، ومقارنة بمواقع إخبارية عريقة، مساهمة جادة في إثراء المشهد الإعلامي اليمني، من خلال تقديم باقة متنوعة من أشكال المحتوى، تتراوح بين نقل الأخبار والتقارير الصحفية والقراءات التحليلية وصولاً إلى التحقيقات الاستقصائية، مما يوفر للقارئ اليمني، والعربي أيضا، صورة أكثر اكتمالا عن المشهد المعقد.
المحتوى وتوجهاته.. بانوراما اليمن المعقد
يسعى الموقع لأن يكون أكثر من ناقل للأحداث؛ إلى مشارك فاعل في تشكيل الوعي العام وقيادة التحولات السياسية والمعرفية والاجتماعية، وهي مهمة جسيمة في بلد يعاني من تداعيات أزمات مركبة وصراع طويل، وانهيار شبه كامل لمنظومات حماية الصحفيين.
من خلال تتبع محتوى الموقع، حيث تتنوع العناوين على صفحته الرئيسية ونوافذه المختلفة، يكشف ذلك عن محاولة جادة لتلبية احتياجات القارئ المتعطش للمعلومة والتحليل معا.
وينجح في تقديم بانوراما نادرة للواقع اليمني المتشعب من خلال تنوع ذكي ومتعمد لأشكال المحتوى.
ففي تناوله للأخبار يحرص الموقع على تغطية كافة الأطراف الفاعلة محليا وإقليميا، من الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى الحوثيين والمجتمع الدولي، دون إغفال القوى المجتمعية والأحزاب السياسية؛ في توازن مهني ليس بالسهل، ويعكس توجه مهني أيضا في تقديم صورة متكاملة، قلما تجدها في مواقع أخرى لها باع طويل في العمل الصحفي.
كما يمثل التحليل والاستقصاء العمق التحريري للموقع وفي تقاريره التحليلية وحواراته الخاصة مع شخصيات سياسية وحقوقية، واستطلاعات الرأي التي تستنطق الشارع. أما التحقيقات الاستقصائية، كالتقرير عن الصيد البحري، تنتقل بالصحافة من سطح الحدث إلى أعماقه، وتكشف قضايا خفية. وهذا ما يُمكّن الموقع من سياقات تفسيرية مهنية لما وراء الأحداث اليومية، وفهم توجهات الفاعلين وتطلعات الشارع.
اللافت خلال متابعة وتصفح الموقع، أنه يعمل بمستوى متقدم في احتوائه على الصحافة الإنسانية والمعرفية، ما يبرز الموقع في رصده للبعد الإنساني، كما في التقرير التوثيقي المطول “ثلاثون يوما في الجحيم”، وأيضا في اهتمامه بالثقافة والفن كجزء من الهوية الوطنية، فقسم “ملخص كتاب” وحده يمثل إضافة نوعية ترفع سقف العمل الصحفي من الخبر اليومي إلى الفكر المستدام، وإثراء المحتوى بقصص تتجاوز السياسة إلى قلب المجتمع اليمني.
فلسفة التحرير.. المهنية كخيار استراتيجي
يكتسب الموقع وزنا أكبر عند النظر إليه من خلال تجربة رئيس التحرير، وهذا سر تميز “يمن ديلي نيوز” باعتماده على الأساس المهني والفكري الذي بني عليه.
فالزميل فؤاد العلوي، رئيس تحرير “يمن ديلي نيوز” ـــ وقد عرفته عن قرب، حيث عملنا سوياً لنحو ثلاث سنوات في صحيفة “26 سبتمبر” وموقعها الإلكتروني “سبتمبر نت” في محافظة مأرب ـــ اكتسب خبرته في مختبرات الصحافة اليمنية الصعبة، حيث لا ينظر إلى المهنية مجرد مجموعة من المهارات الفنية، ولكن كخيار وجودي واستراتيجي في فضاء إعلامي مشحون.
يعد العلوي من أكثر الصحفيين مهنية واحترافية، يتعامل مع الصحافة كمساحة لإثراء المشهد الإعلامي اليمني ككل، وليس مجرد منافسة جامحة فحسب.
إلى جانب ما يمتلكه الزميل العلوي من نضج مهني، يكشف عن روح زمالة نادرة في ضل الاستقطاب السائد. وينطلق في عمله من قاعدة مركزية، أن المهنية تكمن في إثراء الساحة الصحفية بأعمال احترافية تلبي ما يحتاجه المتلقي، وهذا ما يعكسه محتوى الموقع.
هذه الرؤية التي تؤمن بالتنافس الصحفي المثمر، الذي يضع تطلعات الجمهور ونبل وأخلاقيات المهنة في المقدمة، هي على الأرجح القاعدة التي تبنى عليها سياسة “يمن ديلي نيوز” التحريرية.
إنها فلسفة ترفض الانحصار في خطاب أحادي، وتعمل بدلاً من ذلك على تقديم بانوراما متعددة الأوجه للواقع اليمني، من السياسة والأمن إلى الاقتصاد والمجتمع والثقافة وحقوق الإنسان. فلسفته، كما تظهر في الممارسة اليومية للموقع، ترفض منطق “المنافسة الهدامة”، وتبني مفهوم “التنافسية المثمرة” التي تثري المشهد الإعلامي ككل.
هذه الفلسفة لا تبقى في نهج العلوي حبيسة غرفة التحرير، بل تجسدها مبادئه المهنية، التي يحولها إلى مبادرات ملموسة. فالمشاركة في ورش تدريبية لبناء قدرات المؤسسات الإعلامية المستقلة، والتعاون مع منظمات حقوقية في حملات توعوية كحملة “وفق القانون”، وتبني برامج معرفية كـ “ملخص كتاب”، ومواد عن الأغنية اليمنية، جميعها تجسيد عملي لفكرة أن دور الصحافة يتجاوز النقل إلى البناء والتمكين. إنها رؤية تعيد تعريف دور الصحفي من كاتب خبر إلى فاعل في تنمية المجتمع وترسيخ قيم الانتماء الوطني والحق والعدالة.
معادلة البقاء فوق خط النار
يمثل “يمن ديلي نيوز”، تحت هذه القيادة التحريرية، نموذجاً يجاهد للبقاء فوق خط النار، وفق معادلة صعبة؛ تتموضع بين ضرورة النجاة المهنية والأمنية في بيئة عالية الخطورة، والتزام مهني احترافي بتقديم الحقيقة والتحليل العميق.
إن قدرة الموقع على المزج بين سرعة الخبر وعمق التحليل، جنباً إلى جنب مع تغطيته الجغرافية اليمنية الواسعة التي تمتد من سقطرى إلى صعدة، تجعله مرجعا مهما للمتابع.
فهذا الإنجاز هو ثمرة جهد فريق تحريري يؤمن بفاعلية الصحافة وتأثيرها واسهامها في صناعة الرأي العام، وقيادة التحولات الوطنية الكبرى.
الصورة التي يقدمها “يمن ديلي نيوز” تكمن في “صحافة الاحتماء” ليس الاحتماء بالسلطة أو الخطاب السائد، ولكن الاحتماء بالمهنية العالية، بالموضوعية، بالبعد الوطني، بثقة الجمهور التي يبنيها عبر الدقة والتنوع.
فالشمول والموازنة في العرض، والجرأة في طرح القضايا المحورية كالحريات الصحفية والوضع الاقتصادي والتحولات الجنوبية، هي أشكال من “الدرع المهني” يبنيه الموقع لحماية مساحته ورسالته.
نموذج يحتذى في زمن الانهيار
الشاهد، أن “يمن ديلي نيوز”، في سنواته الأولى، هو أكثر من موقع إخباري ناجح؛ إنه نموذج أولي لما يمكن أن تكون عليه الصحافة اليمنية المؤسسية المستقلة في المستقبل. نموذج قائم على:
- قيادة تحريرية تؤمن بأن المهنية هي السبيل الوحيد للتأثير والبقاء.
- فريق مهني يرفع شعار الإثراء والتنوع وليس الإقصاء.
- رؤية شاملة تربط بين الخبر والتحليل العميق، وبين السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي.
في الزمن الصعب، حيث يسهل الانحياز ويصعب التزام الحياد، حيث تنتشر الإثارة ويقل التحقيق، يقدم هذا الموقع إثباتا عمليا على أن الصحافة المهنية ما تزال فاعلا مؤثرا وقادرا على قيادة التحولات الكبرى، عبر إصرار يومي على تقديم الحقيقة بكل أبعادها وليس عبر الخطابات الحماسية.
هذا الجهد، بقيادة الزميل فؤاد العلوي وفريق التحرير، لا يستحق فقط الإشادة، بل يستحق المزيد من الدعم والاحتذاء به كمنهج للخروج من أزمة الإعلام اليمني نحو فضاء أكثر رحابة واحتراما لعقل القارئ وكرامة الوطن.
خلاصة تقييمية:
- تنوع الأطراف المغطاة: تنوع واقعي في الأخبار→ مؤشر قوي لتوازن نسب الأطراف في التغطية.
- نبرة التغطية: غالبية المحتوى يستخدم نبرة معيارية → مؤشر إيجابي لغياب لغة التحريض.
- تنوع الأشكال الصحفية: الموقع لا يقتصر على الأخبار فقط، ويحتوي على فنون صحفية متعددة → مؤشر إيجابي لعمق المحتوى وتنوعه.
- تعددية المصادر: مؤشر إيجابي لتعدد المصادر بالنسبة للأخبار والتقارير.
- حضور التحقيقات الاستقصائية: التحقيقات موجودة ضمن محتوى الموقع → مؤشر أداء ملحوظ.
- البعد الإنساني والمعرفي: مؤشر جيد لحضور الأبعاد الإنسانية والمعرفية المتجاوزة للخبر اللحظي.
- الاستقلال التحريري (صحافة الاحتماء بالمهنية): لا يظهر ارتباط مباشر بأجندة سياسية معلنة → مؤشر إيجابي لاستقلال التحرير نسبيا في المحتوى الملموس.
- وضوح تصنيف المواد: الموقع يظهر فئات واضحة → مؤشر قوي لفصل المواد الصحفية حسب نوعها.
- انتظام النشر والتغطية الجغرافية: واجهة الموقع تعرض نشرات حديثة بشكل يومي تقريبا مع قسم “حصاد الأخبار والتقارير”، مع مؤشرات إيجابية للتغطية الجغرافية الواسعة.
نقاط القوة وفرص التحسين
نقاط القوة:
● تنوع الأطراف والموضوعات
● نبرة إخبارية متوازنة
● أشكال محتوى متنوعة
● انتظام النشر
● فصل واضح بين الخبر والتحليل والرأي
فرص التحسين:
● زيادة التحقيقات الاستقصائية بشكل دوري
● تعزيز حضور البعد الإنساني والمعرفي
● تعميق تعددية المصادر في الأخبار السريعة
● تغطية أوسع للمناطق الأقل ظهوراً
● إعطاء مساحة لمقالات الرأي
ظهرت المقالة تحليل محتوى: “يمن ديلي نيوز”.. تجسيد لـ “صحافة الاحتماء” وقيادة التحولات أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.