يمن مونيتور/ مأرب/ من عبدالله العطار
تخوض محافظة مأرب (شرقي اليمن) اليوم معماراً دفاعياً جديداً يتجاوز المتارس التقليدية إلى الفضاء الإلكتروني، بهدف حماية البيانات السيادية وتأمين الاتصالات العسكرية من محاولات التجسس والاختراق التي تقودها جماعة الحوثي عبر سيطرتها على البوابة الدولية للإنترنت، والاتصالات.
وفي تصريح خاص لـ “يمن مونيتور”، أكد وكيل محافظة مأرب لشؤون الدفاع والأمن، اللواء ناصر رقيب، أن العالم اليوم يعيش سباقاً مع الزمن في علم المعلومات؛ مشيراً إلى أن السلطة المحلية برعاية عضو مجلس القيادة الرئاسي، المحافظ اللواء سلطان العرادة، تدرك أن الأمن السيبراني أصبح “صمام الأمان الحقيقي للدولة في وقت السلم والحرب”.
وأضاف اللواء رقيب: “وحداتنا الأمنية، كونها الحارس الأمين للبلد، باتت في حاجة ماسة لامتلاك مهارات الحرب السيبرانية لحماية أمننا القومي. نحن لا نسعى لمجرد الحضور في الدورات التدريبية، بل نهدف إلى إحداث نقلة نوعية تضمن حماية المعلومات العسكرية والأمنية من أي اختراق معادٍ”.
ويقول المسؤولون الأمنيون في مدينة مأرب إن التهديدات السيبرانية تتزايد كل يوم لذلك لم يعد “تأمين البيانات” ترفاً تقنياً، بل استراتيجية دفاعية حتمية تفرضها ضرورة حماية غرف العمليات والبيانات الحساسة في ظل حرب هجينة تستخدم فيها المعلومة كقذيفة لا تقل خطورة عن الصواريخ الباليستية.
ونفذت السلطات المحلية في مأرب عدة دورات في الأمن الرقمي لمنظومتها الأمنية خلال العام والأعوام الماضية كان آخرها قبل أيام دورة تدريبية لـِ 40 منتسباً من شرطة مأرب كخطوة عملية لسد “الثغرات التقنية”.
تبرز الأهمية القصوى لهذا التوجه عند النظر إلى خارطة الاتصالات اليمنية؛ حيث لا تزال مليشيا الحوثي تسيطر على المراكز الرئيسية للتحكم (يمن نت) في صنعاء. هذه السيطرة تمنح الجماعة قدرة تقنية على اعتراض المكالمات غير المشفرة، وتتبع المواقع الجغرافية، وتحليل حركة البيانات (Traffic Analysis)، مما يجعل الأجهزة الأمنية في مأرب في سباق مع الزمن لكسر هذه التبعية التقنية عبر تقنيات التشفير المتقدمة.

الأمن السيبراني صمام أمان الدولة
وقال اللواء رقيب “إن ما توصل إليه العلم اليوم فيما يعرف بـ الحرب السيبرانية أصبح يمثل قوة حاسمة… وهذا العلم سلاح ذو حدين، فهو قوة للبناء والتنمية في السلم، وهو جبهة مواجهة شرسة في النزاعات”.
وحول التوجه الحالي لتأهيل العناصر الأمنية في الرقمنة، أشار اللواء رقيب إلى أن محافظة مأرب، وبرعاية من نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي- محافظ المحافظة، اللواء سلطان بن علي العرادة، بدأت بالفعل خطوات عملية وجادة عبر تنفيذ دورات تدريبية مكثفة في مجال الأمن السيبراني وتأمين المعلومات.
وأضاف: هذه الدورات، التي يتم الإعداد لها وتنفيذها بالشراكة بين الإدارة العامة لبحوث التنمية والتدريب والإدارة العامة للشرطة، تهدف إلى إحداث نقلة نوعية ومعرفية في قدرات عناصرنا.
من “المستخدم” إلى “الحارس الرقمي“
على الصعيد العملي، يركز المسار الاستراتيجي لمأرب على تحويل الكادر الأمني من مجرد مستخدم للتقنية إلى “حارس رقمي”.
وفي هذا السياق، يرى الخبير والمدرب في الأمن السيبراني، محمد نجيب، أن الفلسفة الحالية تقوم على مبدأ “المعلومة قوة سيادية”. مضيفاً: الأمن السيبراني هنا ليس مجرد “تقنية”، بل هو وسيلة لمنع الاختراقات التي قد تؤدي إلى كشف تحركات أو قرارات استراتيجية.
وأوضح نجيب لـ “يمن مونيتور” أن المنهج التدريبي المعتمد يركز على عدة ركائز تقنية، أبرزها: التصدي للهندسة الاجتماعية عبر بناء وعي لدى الأفراد لمنع محاولات الخداع الرقمي، ومكافحة الابتزاز الالكتروني، وتأمين الحواسيب والهواتف من قرار الشراء إلى الإتلاف الآمن.
وأضاف نجيب: يجري تدريبهم على التشفير المتقدم عبر إنشاء “خزنات افتراضية” داخل الأجهزة الأمنية بمفاتيح تشفير يستحيل كسرها بالوسائل التقليدية. وعلى الاتصال اللامركزي “الاعتماد على تطبيقات “من جهاز إلى جهاز” التي لا تمر عبر الخوادم التي يسيطر عليها الحوثيون في صنعاء، مما يضمن سرية المراسلات”.

حماية مأرب يبدأ من الفضاء الرقمي
وقال مدرب الأمن السيبراني إن “محافظة مأرب، ونظراً لطبيعتها الحساسة، تصبح حماية تدفق البيانات من المصدر (الموظف/الفرد) وصولا إلى الهيكل الإداري الكامل ضرورة أمنية قصوى”.
وشدد اللواء ناصر رقيب تصريحه التأكيد على أن الهدف الأسمى من هذا التوجه هو ارتقاء الكادر الأمني بنفسه وبوطنه، لمواكبة العلم الحديث ومتطلبات الجانب الأمني المعاصر وفي ظل المخاطر التي تحدق بمارب قلعة الجمهورية وملاذها الأخير.
وقال إن “تعزيز الحماية الأمنية للمحافظة يبدأ من تأمين فضائها الرقمي ومعلوماتها الحساسة، مؤملا أن يلمس الجميع المردود الإيجابي لهذه الجهود في القريب العاجل”.
وفي ظل اختلال موازين القوى التقنية في قطاع الاتصالات الوطني، يبقى الاستثمار في وعي الضباط والأفراد واستخدام قنوات اتصال بديلة ومجهولة الهوية هو الضمانة الوحيدة لمنع سقوط المعلومات الحساسة في يد الطرف الآخر.
تُعد محافظة مأرب مركز الثقل العسكري والسياسي للحكومة المعترف بها دولياً في شمال اليمن، وتضم أهم المنشآت النفطية والغازية في البلاد. ومنذ سنوات، تتعرض المحافظة لهجمات مزدوجة؛ عسكرية عبر الصواريخ والمسيرات، وإلكترونية عبر محاولات اختراق شبكات الاتصال المحلية والخاصة بالقيادات العسكرية، مستغلة بقاء البنية التحتية للاتصالات تحت إدارة الحوثيين في صنعاء.

The post من المتارس إلى “البايت”.. مأرب تعزز دفاعات “الأمن السيبراني” لمواجهة حروب المعلومات appeared first on يمن مونيتور.