الطائفية السياسية في العالم العربي
أهلي
منذ 6 أيام
مشاركة

الحديث عن الطائفية اليوم يفتح أفقاً فلسفياً واسعاً لفهم طبيعة الاجتماع البشري في المجتمعات العربية، وفي كل مجتمع متعدد الهويات والانتماءات. فالتعدد بالأساس هو انعكاس لثراء التجربة الإنسانية وتنوعها، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش في فراغ ثقافي أو اجتماعي، دون الحاجة إلى إطار يحدد له ملامح الهوية والانتماء. هذا الإطار قد يكون دينياً أو مذهبياً أو عرقياً أو قبلياً، وهو في جوهره معطى طبيعي يساهم في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية ويمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والدفء والهوية المشتركة. لكن المشكلة تبدأ حين يؤدلج هذا التعدد، أي حين يتحول من مجرد انتماء طبيعي إلى أداة سياسية أو أيديولوجية مغلقة، وهنا يظهر ما نسميه بالطائفية. لكن يبقى هناك فرقاً جوهرياً بين الطائفة والطائفية؛ فالأولى في أصلها فضاء للتعايش والتكامل، بينما الثانية هي انغلاق على الذات، ونزعة إقصائية، وأيديولوجيا سلطوية تستعمل الانتماء كوسيلة للهيمنة والسيطرة. وبهذا المعنى، نجد أن الطائفية لا تعبر عن الاختلاف في العقيدة أو المذهب، وإنما هي تحويل هذا الاختلاف إلى سلاح سياسي يستخدم في صراع السلطة، حيث يصبح الانتماء الطائفي معياراً للولاء والشرعية، بدلاً من أن يكون مجرد هوية ثقافية أو دينية. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الطائفة والطائفية: الأولى معطى اجتماعي طبيعي، والثانية انحراف سياسي خطير.

وهذا ما أشار إليه المفكر السوري برهان غليون، إلى هذا البعد حين وصف الطائفية بأنها “السوق السوداء للسياسة”، أي أنها تظهر حين تفسد السياسة الطبيعية القائمة على المشاركة والتداول، فتتحول إلى قنوات ملتوية للنفوذ، وتصبح أداة لتقويض الوحدة الوطنية الجامعة. ذلك أن السياسة الطبيعية تقوم على التمثيل والمشاركة والبحث عن المشترك، بينما الطائفية تقوم على نفي المشترك وتكريس الانقسام، وهي بهذا المعنى ممارسة سياسية ملتوية، لا تعترف بالآخر إلا بوصفه خصماً يجب إقصاؤه أو تحييده. ومن هنا يمكن القول بأن الطائفية ليست مشكلة اجتماعية بقدر ما هي مشكلة سياسية، فهي لا تنشأ من مجرد وجود الطوائف، بل من تسييس الانتماء وتحويله إلى أداة للصراع. وهذا ما يجعلها خطيرة؛ لأنها تفتت المجتمع من الداخل وتضعف الدولة الوطنية، وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية التي تستثمر في الانقسامات لتعزيز نفوذها. والطائفية بهذا المعنى مشروع سياسي يهدد فكرة المواطنة ويقوض أسس الدولة الحديثة.

في الوقت الذي كان يفترض بالدولة الحديثة أن تكون تعبيراً عن تعاقد اجتماعي عقلاني يتجاوز الانتماءات الأولية، فإن الدولة العربية الحديثة، في كثير من تجلياتها، أعادت إنتاج هذه الانتماءات ضمن بنيتها، لا بوصفها روافد ثقافية، وإنما بوصفها وحدات سياسية قائمة بذاتها. وهنا تتجلى الطائفية السياسية كأحد أعراض فشل مشروع الحداثة السياسية في العالم العربي، وكدليل على أن الدولة العربية الحديثة لم تنجح في التحول إلى كيان محايد فوق الطوائف، فقد أصبحت هي ذاتها طائفية في بنيتها ووظائفها.

الطائفية السياسية في العالم العربي بنية أيديولوجية متجذرة في التاريخ السياسي العربي الحديث، تتغذى من هشاشة الدولة الوطنية، وتستثمر في انقسام المجتمع، وتعيد إنتاج أزماته في دوائر مغلقة من العنف والتمزق والانكفاء الهوياتي. إن نشأة الطائفية السياسية في العالم العربي لا يمكن فهمها إلا في ضوء التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ انهيار السلطنة العثمانية، مروراً بتشكيل الكيانات القطرية في ظل الاستعمار، وصولاً إلى فشل مشاريع الدولة الوطنية الحديثة في بناء عقد اجتماعي جامع. وقد أسهم الاستعمار في ترسيخ الهويات الطائفية كأدوات للضبط والسيطرة، حيث جرى التعامل مع الطوائف كوحدات سياسية قائمة بذاتها، تمنح امتيازات أو تعاقب بحسب ولائها أو تمردها. وهكذا، تأسست الدولة الحديثة في العالم العربي على قاعدة من التناقض: فهي من جهة تدّعي تمثيل الأمة، ومن جهة أخرى تبقي على البنى الطائفية كآليات للضبط الاجتماعي والسياسي. هذا التناقض البنيوي هو ما جعل الطائفية السياسية قابلة للانبعاث في كل لحظة ضعف أو انهيار في مشروع الدولة. وهكذا، نجد بأن الطائفية السياسية لم تنشأ من داخل البنية الثقافية للمجتمعات العربية، وإنما فرضت عليها من الخارج، ثم جرى توطينها في الداخل عبر تحالفات بين النخب المحلية والقوى الاستعمارية.

في لحظة التأسيس للدول الوطنية في المشرق العربي، التي نشأت على أنقاض الاستعمار، لم تُبنَ هذه الدول الوطنية العربية على قاعدة المواطنة المتساوية، وإنما على قاعدة المحاصصة الطائفية، التي كرست الانقسام القبلي والمذهبي بدل أن تتجاوزه. لم تنجح الدول العربية في إنتاج هوية جامعة تتجاوز الهويات الأولية، وبدلاً من أن تصهر التعددية في بوتقة المواطنة، جرى توظيفها كأداة للضبط والسيطرة، ما أدى إلى بروز الطائفية السياسية. كذلك الدساتير التي وضعت في بدايات القرن العشرين لم تكن تعبيراً عن تعاقد اجتماعي جامع، فقد كانت نتاج مساومات بين أعيان الطوائف الذين سعوا إلى تثبيت مواقعهم في السلطة عبر إدماج العصبيات الدينية في بنية الدولة. وهكذا، نشأت دساتير هجينة؛ لا هي علمانية بالكامل، ولا هي دينية صريحة، وإنما مزيج من التناقضات التي تعكس هشاشة المشروع الوطني، وتُبقي على الطائفة كفاعل سياسي دائم.

في هذه الحالة، نجد أن الطائفية السياسية في العالم العربي تغذت على هشاشة الدولة وغياب العقد الاجتماعي، ومن فشل النخب في بناء مشروع وطني جامع. وقد وجدت في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بيئة خصبة للتمدد، حيث سعت إلى تقديم نفسها كبديل عن الدولة، وكإطار للحماية والتمثيل، في ظل انعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية. وهكذا، تحولت الطائفة السياسية إلى دولة داخل الدولة، امتلكت شبكاتها الخاصة من الرعاية والخدمات، وفرضت منطقها الخاص في التمثيل والتفاوض، وإعادة إنتاج ذاتها عبر آليات ثقافية وتعليمية وإعلامية كرّست الانقسام وعمّقت الشعور بالاغتراب.

لقد تطورت الطائفية السياسية في العالم العربي ضمن سياقات متعددة، أبرزها فشل الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، وغياب الديمقراطية، وتآكل شرعية النخب الحاكمة، ما فتح المجال أمام القوى الطائفية لتقديم نفسها كبديل حامٍ للهويات الفرعية. كما أن التدخلات الخارجية، لا سيما من القوى الإقليمية والدولية، غذّت هذا المسار عبر دعمها لقوى طائفية بعينها، بما يخدم مصالحها الجيوسياسية. وهكذا، أصبحت الطائفية السياسية أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي، لا على أساس التعددية، بل على أساس الانقسام العمودي الذي يفتت المجتمع ويقوّض الدولة.

الطائفية السياسية، في جوهرها، هي تعبير عن أزمة عميقة في بنية الدولة والمجتمع معاً. إنها ليست مجرد خطاب كراهية أو تمييز، بل هي منظومة متكاملة من العلاقات والمؤسسات والمصالح التي تعيد إنتاج ذاتها عبر آليات متعددة: من التعليم إلى الإعلام، ومن الاقتصاد إلى الأمن. إنها شكل من أشكال “السياسة الموازية” كما يسميها برهان غليون، أي تلك السياسة التي تنمو في الظل، وتستمد قوتها من ضعف السياسة الرسمية، ومن فساد المجال العام، ومن انعدام الثقة بين مكونات المجتمع.

عند قراءة العوامل المحفزة لبروز الطائفية السياسية في العالم العربي نجدها عديدة، ويمكن تصنيفها إلى داخلية وخارجية. داخلياً، هناك غياب العدالة، وتهميش فئات اجتماعية، واحتكار السلطة والثروة من قبل نخب محددة، ما دفع الفئات المهمشة إلى الاحتماء بهوياتها الفرعية. كما أن فشل مشاريع التحديث والتنمية، وغياب الحريات، وانسداد الأفق السياسي، كلها عوامل دفعت نحو الانكفاء الطائفي. أما خارجياً، فإن القوى الإقليمية والدولية كثيراً ما استخدمت الطائفية كأداة لتفكيك المجتمعات، وإضعاف الدول، وإعادة تشكيل الخرائط السياسية بما يخدم مصالحها. كذلك، كان تطور الطائفية السياسية دليلاً واضحاً على غياب الديمقراطية وتآكل شرعية الدولة وتضاؤل الفضاء العام، حيث تحولت الطائفة إلى ملاذ وجودي للفرد، وإلى إطار للحماية والتمثيل، في ظل دول عاجزة عن ضمان الحقوق الأساسية لمواطنيها. لقد أصبحت الطائفة بديلاً عن الدولة، لا في بعدها الروحي أو الثقافي، بل في بعدها السياسي والمؤسساتي، حيث باتت تمتلك شبكاتها الخاصة من الرعاية والخدمات، وتفرض منطقها الخاص في التمثيل والتفاوض. وبهذا المعنى، كانت الطائفية السياسية في العالم العربي بنية سلطوية موازية، تتغذى من ضعف الدولة، وتعيد إنتاج هذا الضعف في دورة لا تنتهي.

إضافة إلى العوامل السابقة المحفزة لبروز الطائفية السياسية، فإنه يمكننا قراءتها من خلال مستويات متداخلة: على المستوى السياسي، نجد أن النخب السياسية في العالم العربي فشلت في بناء مشروع وطني جامع؛ لهذا كان اعتمادها على الطائفية كأداة لتثبيت سلطتها، سواء عبر المحاصصة أو عبر التحريض المتبادل. أما على المستوى الاجتماعي، فإن هشاشة البنى المجتمعية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشي الفقر والتهميش، جعل من الطائفة إطاراً للتكافل والتضامن، وإن كان ذلك على حساب الانتماء الوطني. وعلى المستوى الثقافي، كان غياب مشروع ثقافي نقدي قادر على تفكيك البنى الطائفية، وإعادة بناء الهوية على أسس عقلانية وإنسانية، عاملاً مهماً في بروز وتشكل الطائفية السياسية. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن الطائفية كثيراً ما استخدمت في صراعات النفوذ، حيث تدعم قوى إقليمية ودولية أطرافاً طائفية بعينها، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ويبقي على حالة الانقسام والتفكك للدول العربية.

الطائفية السياسية، في جوهرها، هي نفي لفكرة المواطنة؛ لأنها تقوم على التمييز بين المواطنين على أساس انتماءاتهم الأولية، لا على أساس حقوقهم المتساوية. وهي نفي لفكرة الدولة؛ لأنها تحوّل الدولة إلى ساحة صراع بين الطوائف، لا إلى إطار جامع يتجاوزها. وهي نفي لفكرة السياسة؛ لأنها تفرغ السياسة من بعدها العقلاني والتعددي، وتحولها إلى صراع هويات مغلقة. وبهذا، فإن الطائفية السياسية انحراف عن السياسة ونقيضها في نفس الوقت؛ لأنها تعيد إنتاج منطق الغلبة والولاء، لا منطق التعاقد والمشاركة.

إن مواجهة الطائفية السياسية لا يمكن أن تتم عبر الدعوات الأخلاقية أو الشعاراتية، بقدر ما تتطلب مشروعاً فكرياً وسياسياً، يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والتمثيل الحقيقي. كما تتطلب نقداً جذرياً للثقافة السياسية السائدة، التي ما زالت تؤسس للولاء الطائفي على حساب الولاء الوطني. إن تجاوز الطائفية لا يكون إلا بإعادة الاعتبار للإنسان كمواطن، لا كعضو في طائفة، وبإعادة بناء المجال العام كفضاء مشترك يتسع للجميع، لا كغنيمة تتقاسمها الطوائف. وهذا يتطلب، قبل كل شيء، إعادة تعريف السياسة ذاتها بأنها فعل تحرري يهدف إلى بناء مجتمع عادل، تعددي، عقلاني، يتجاوز الانتماءات الضيقة نحو أفق إنساني أرحب. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الطائفية السياسية في العالم العربي لم تكن يوماً ظاهرة اجتماعية أو سياسية، بقدر ما هي تعبير عن أزمة حضارية شاملة، تتعلق بفشل مشروع التنوير العربي، وبعجز المجتمعات عن إنتاج حداثتها الخاصة، وباستمرار الهيمنة الخارجية التي تعيد إنتاج الانقسامات الداخلية. الطائفية السياسية هي تقاطع بين الداخلي والخارجي، بين التاريخي والراهن، بين الثقافي والسياسي. ومواجهتها تتطلب، بالتالي، مشروعاً تحررياً شاملاً، يعيد بناء الإنسان العربي كمواطن حر، في دولة عادلة، في مجتمع متضامن، في أفق إنساني يتجاوز الطائفة نحو الكرامة والحرية والعدالة.

في النهاية، فإن الطائفية السياسية هي مرآة تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها العالم العربي: أزمة في الهوية، في الدولة، في العقد الاجتماعي، وفي المشروع الحضاري برمته. ومواجهتها تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات شكلية، بل ثورة فكرية وسياسية تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الجماعة والمجتمع، وبين الدين والسياسة.

 

The post الطائفية السياسية في العالم العربي appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية