ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
في أعقاب انتفاضة شعبية، وحملة قمع مخلفةً آلاف القتلى، يبرز السؤال الأكبر في إيران حول كيفية مواجهة النظام الإسلامي سياسياً. وقد ازداد هذا التساؤل إلحاحاً بعد تحذير دونالد ترامب من أن “الوقت ينفد” أمام إيران للتفاوض على اتفاق بشأن برنامجها النووي.
لقد روج التدخل الأمريكي في فنزويلا لفكرة “تغيير القيادة” كبديل لسياسة “تغيير النظام” الأكثر إشكالية. وتمنح البنية المؤسسية الفريدة للجمهورية الإسلامية الشعب الإيراني والغرب فرصة للجمع بين هاتين الاستراتيجيتين.
لا يمكن للإيرانيين توقع أي تغيير جوهري في نظام الحكم طالما بقيت مؤسسة “الولي الفقيه” قائمة. كما لا يمكن للغرب أن يتوقع تخلي النظام عن عدائيته بينما تظل هذه المؤسسة في قلب عملية صنع القرار في إيران.
وجدير بالذكر أنه خلال الأعوام الـ 47 التي تلت الثورة الإسلامية في إيران، حاولت تسع إدارات في البيت الأبيض استخدام كافة أنواع سياسات “العصا والجزرة” للتعامل مع الجمهورية الإسلامية. ولكن كلما أظهر النظام مرونة، تبين أنها مجرد تراجع تكتيكي ليس إلا.
لماذا؟ من المهم أن نفهم أن الجمهورية الإسلامية فريدة من نوعها مؤسسياً؛ فهي تتكون من نظامين فرعيين غير متوافقين، يولد تفاعلهما حالة من عدم الاستقرار المزمن واختلال التوازن الدائم: “الدولة” ومؤسسة “ولاية الفقيه”. إن التشغيل الوظيفي لأحدهما يؤدي بالضرورة إلى خلل وظيفي في الآخر.
يسعى كل من هذين النظامين الفرعيين إلى تحقيق منطقه التنظيمي ونظام الحوافز الخاص به عبر مجالات تتراوح من السيادة والسياسة الخارجية إلى الحوكمة وحقوق المواطنين. وأي مشروع إصلاحي يسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة مع الحفاظ على ولاية الفقيه يسيء فهم عدم التوافق الجوهري بين هذين المنطقين، ومصيره الفشل المحتوم.
ويتجلى عدم التوافق هذا في المسارات السياسية لأولئك الذين حاولوا التصرف كرجال دولة داخل الجمهورية الإسلامية؛ إذ تم تحييدهم جميعاً في نهاية المطاف: فإما مُنعوا من تولي مناصب مستقبلية (محمود أحمدي نجاد، ومحمد خاتمي، وحسن روحاني)، أو تمت تصفيتهم (علي رفسنجاني)، أو زُج بهم في السجون (مير حسين موسوي ومهدي كروبي). ومرة تلو الأخرى، أثبت هذا الدور أنه غير متوافق هيكلياً مع طموحات ومنطق ولاية الفقيه.
تكمن جذور هذا التناقض في أعقاب سقوط الملكية عام 1979؛ حيث أدى الدور المهيمن لرجال الدين الشيعة في الحركة المناهضة للملكية إلى تسوية هشة بين مصدرين للمشروعية: السيادة الشعبية المتمثلة في الانتخابات، والمشروعية الإلهية التي بررت فرض الشريعة الإسلامية.
استلزمت هذه التسوية وجود تسلسلين هرميين متوازيين: أحدهما بيروقراطية الدولة التقليدية الموروثة، والآخر بيروقراطية إسلامية لم يكن لها سابقة تاريخية. وقد حسمت النخب الدينية هذا التوتر برفع سلطة لا نزاع فيها —وهي سلطة المرشد الأعلى (أو “الولي الفقيه”)— فوق الدولة نفسها.
ولفرض الطاعة، كان على المرشد الأعلى أن يتسامى فوق الدولة تماماً. وقد وفر “الإسلام الثوري” —الذي أعيد تعريفه كشروع عابر للحدود ملتزم بمناهضة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية— الإطار اللازم لذلك. وهكذا، لم يبرز المرشد الأعلى كرئيس للدولة فحسب، بل كـ “قائد للثورة الإسلامية”، متمتعاً بطموحات عالمية.
وقد شكل الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 لحظة حاسمة في هذا التحول؛ إذ زرعت أزمة الرهائن شعار “الموت لأمريكا” في النبض الأيديولوجي لولاية الفقيه. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المواجهة الدائمة مع الغرب سمة تكوينية للنظام.
وعليه، يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي لكل من الشعب الإيراني والمجتمع الدولي هو تفكيك ولاية الفقيه. ولأن دستور الجمهورية الإسلامية ينص على أن ولاية الفقيه هي المؤسسة العليا التي تشرف على الدولة، فإن التخلص منها يتطلب دستوراً جديداً. إن تغيير القيادة سيعني بالضرورة تغيير النظام.
لا يمكن تحقيق ذلك من خلال مناورات النخبة أو الضغوط الخارجية وحدها؛ بل يتطلب مصالحة وطنية بين الإيرانيين وإطلاق عملية سياسية تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة لجمعية تأسيسية قادرة على إرساء دولة ديمقراطية.
وعلى الرغم من القمع الوحشي الأخير، لا تزال المعارضة مشتتة أكثر من أي وقت مضى. ولتغيير ميزان القوى، يجب صياغة نوع جديد من التحالف؛ إذ يحتاج خصوم الأمس إلى التوحد تحت شعار “من بهلوي إلى موسوي”.
يمثل رضا بهلوي، ابن الشاه الراحل المقيم في المنفى، حقبة الرخاء في العهد البهلوي والمعارضة المطلقة لولاية الفقيه. وفي الوقت نفسه، صرح مير حسين موسوي، زعيم المعارضة المعتقل منذ فترة طويلة ورئيس الوزراء الأسبق، علانية بأنه لم يعد يعتقد أن النظام الذي يمنح الكلمة الفصل للمرشد الأعلى يصب في مصلحة إيران. لقد حان الوقت لدعم دعوة السيد موسوي الأخيرة لإجراء استفتاء لكتابة دستور جديد.
إن وجود السيد موسوي في تحالف جديد من شأنه أن يطمئن أفراد الجيش والأمن بأن الهدف هو التغيير المنظم وليس الحرب الأهلية. كما أن مشاركة السيد بهلوي ستوفر طمأنة للمجتمع الدولي بأن المغامرات الإقليمية لإيران ومعضلاتها النووية لن تعود.
ومن خلال الجمع بين هذين الرمزين للمعارضة تحت شعارات شاملة —مثل حماية وحدة الأراضي الإيرانية واحترام صناديق الاقتراع— يمكن للساعين إلى التغيير خلق زخم وطني جديد لإزاحة حراس الجمهورية الإسلامية. ويقدم هذا الثنائي أفضل أمل لإيران الجديدة، المتحررة أخيراً من قبضة ولاية الفقيه الخانقة.
** أمير حسين غنج بخش (معارض إيراني مقيم في الولايات المتحدة)
**مجلة (ذي إيكونوميست)
The post كيف يمكن الإطاحة بملالي إيران؟ appeared first on يمن مونيتور.