ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
كانت هديل عبد الله، الطالبة الجامعية البالغة من العمر 23 عاماً في صنعاء، في قاعة المحاضرات عندما شعرت بدوار مفاجئ وسقطت أرضاً. رفع زملاؤها جسدها الهزيل، ونقلوها إلى قاعة الطعام وسقوها الماء.
بعد 30 دقيقة، شعرت بتحسن وعادت إلى منزلها. لكن هذه لم تكن المرة الأولى، فهي تفقد وعيها بشكل متكرر.
تعاني هديل من آلام في البطن منذ عام كامل، حيث باتت معدتها حساسة تجاه أنواع كثيرة من الأطعمة والمشروبات، بما في ذلك الدجاج واللحوم والحليب. زارت أطباء متعددين في العاصمة اليمنية صنعاء، وأجرت العديد من الفحوصات الطبية بحثاً عن التشخيص الصحيح والوصفة المثالية، إلا أن كل جهودها، إلى جانب النفقات التي تكبدتها، ذهبت سدى.
تقول هديل: “لقد التزمت بالأدوية الموصوفة دون انقطاع. يستعيد جسدي قوته لفترة قصيرة، لكنني أمرض ثانية. لقد استنزف هذا الأمر صحتي وأموالي”.
وتضيف هديل أنها فقدت الثقة في المرافق الصحية في اليمن، حيث ألحقت الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمان خسائر فادحة بنظام الرعاية الصحية. وباتت فكرة السعي للعلاج في الخارج تسيطر على تفكيرها بشكل متزايد.
ومع ذلك، فإن استقلال رحلة تجارية من مدينتها، التي تعرضت للقصف المتكرر خلال الحرب ويسيطر عليها الحوثيون، ليس خياراً متاحاً في الوقت الحاضر. وقالت للجزيرة: “أنا محاصرة بين قطاع صحي متدهور وقيود على السفر، وكلاهما حرمني من الوصول إلى العلاج المناسب”.
ظروف هديل ليست نادرة؛ ففي شمال اليمن، يعاني آلاف المرضى من آلام مستمرة أو يموتون قبل الأوان وسط قطاع صحي مشلول وغياب الرحلات الجوية التجارية. ومع بداية العام الجديد، يقول مسؤولو الأمم المتحدة إن الأزمة الصحية في البلاد تزداد سوءاً وسط توترات سياسية وأمنية متجددة.
وصرح جوليان هارنيس، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، في 19 يناير: “سنشهد تغييراً كبيراً حيث لن يتم دعم النظام الصحي بالطريقة التي كان عليها في الماضي”.
من جانبها، أشارت الدكتورة حنان بلخي، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، الشهر الماضي إلى أن حالة الطوارئ في اليمن تحظى باهتمام أقل بكثير رغم أنها لا تزال ملحة بالقدر نفسه. ولفتت تحديداً إلى خطورة الأزمة الصحية في شمال اليمن، محذرة من أن الوضع الأمني المستمر هناك يهدد بترك الملايين دون مساعدات إنسانية، بما في ذلك الخدمات الصحية الطارئة.
تدرك هديل وآلاف المرضى الآخرين في تلك المنطقة أن المرافق الصحية تفتقر بشدة إلى الموارد اللازمة لعلاج حالاتهم. وبدلاً من ذلك، ينتظرون رحلة جوية من مطار صنعاء الدولي، في ظل بعد المطارات العاملة الأخرى في البلاد، والتي تتطلب عبور الجبال وخطوط المواجهة. وكثيرون يلفظون أنفاسهم الأخيرة متأثرين بأمراضهم قبل أن يتمكنوا من المغادرة.
طريق مسدود في المطارات
تعرض مطار صنعاء الدولي لضربات إسرائيلية عدة مرات خلال العام الماضي، مما خلف أضراراً جسيمة وتسبب في تدمير سبع طائرات تجارية في مايو الماضي. وجاءت العمليات الإسرائيلية رداً على هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة شنها الحوثيون تضامناً مع الفلسطينيين في غزة.
واليوم، تؤكد السلطات في صنعاء أن المطار قد تم إصلاحه وأنه جاهز لاستئناف العمليات، بينما يتهم المسؤولون الحوثيون أطرافاً إقليمية ودولية بمنع استئناف الرحلات الجوية.
وقال مدير مطار صنعاء الدولي التابع للحوثيين، خالد الشايف، في ديسمبر، إن “تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي” يواصل فرض حصار على المطار. وأشار الشايف إلى أن أكثر من 500 ألف مريض يمني مسجلون كحالات حرجة بحاجة ماسة للسفر الفوري، واصفاً الحظر المفروض على المطار بأنه “جريمة حرب لا تسقط بالتقادم”.
وفي سياق متصل، قال تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي في وزارة الصحة العامة والسكان بمحافظة تعز (وسط اليمن)، للجزيرة الانجليزية إن آلاف المرضى في اليمن يموتون وهم ينتظرون رحلة طيران.
وأضاف السامعي: “يُحرم المرضى من الحق في السفر لأغراض العلاج، مما يعني حرمانهم من الحق في الحياة”.
وأشار إلى أن بعض الأمراض، مثل السرطان، لا يمكن علاجها غالباً في اليمن، مما يستدعي العلاج في الخارج لمن يستطيع تحمل تكاليفه. وأوضح السامعي: “في تعز وحدها، وثقت السلطات الصحية 1,967 حالة إصابة بالسرطان في عام 2025، مسجلة زيادة بنسبة 21 بالمئة مقارنة بالعام السابق”.
وفي أواخر ديسمبر، كشف وزير الصحة العامة والسكان في الحكومة المعترف بها دولياً، قاسم بحيبح، أن السلطات تسجل 30 ألف حالة إصابة جديدة بالسرطان سنوياً في البلاد. وطرح السامعي سؤالاً مؤلماً: “كم من هؤلاء المرضى كان من الممكن إنقاذهم لو كانت المطارات تعمل وكان الإخلاء الطبي ممكناً؟”
التكلفة الباهظة للتشخيص الخاطئ
يمكن للتشخيص الخاطئ أو العمليات الفاشلة أن تحول حياة المريض إلى بؤس دائم. وهذا ما حدث لوالد مرام البالغ من العمر 55 عاماً؛ ففي يونيو من العام الماضي، ظهر ورم في وجهه، وتوجه إلى مستشفى محلي في صنعاء حيث أُجريت له عملية لإزالة الورم.
كانت مرام (22 عاماً) وعائلتها متفائلين بأن العلاج سيكون فعالاً، لكن النتيجة لم تكن كما توقعوا. وقالت مرام: “بدلاً من الشفاء، توسع الجرح وأصبح سرطانياً”، مما اضطره للسفر للعلاج في الخارج قبل ثلاثة أشهر.
ولكي يتمكن من اللحاق برحلة جوية، اضطر للسفر من صنعاء إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأضافت مرام: “قضى والدي 15 ساعة في حافلة للوصول إلى مطار عدن. لو كان مطار صنعاء يعمل، لاستغرق الأمر 15 دقيقة فقط للوصول إلى صالة المغادرة”.
من جهتها، قالت سعاد، وهي طبيبة في صنعاء، للجزيرة إن الأجهزة الطبية في بعض العيادات أو المستشفيات أصبحت قديمة بشكل متزايد. ويؤدي هذا النقص في المعدات الحديثة إلى تقويض دقة الاختبارات التشخيصية بشكل خطير، خاصة فحوصات السرطان ورعاية ما قبل الولادة.
وروت قصة مريضة زارتها قبل ثلاثة أشهر؛ كانت المرأة حاملاً في شهرها الثاني، وتعاني من غثيان وقيء وآلام في البطن. وقالت سعاد: “باستخدام الموجات فوق الصوتية (الألتراساوند)، فحصت نبض الجنين، وكان صفراً. أبلغت المريضة بوفاة الجنين”.
إلا أن المرأة لم تتقبل الخبر، وذهبت إلى عيادة أخرى وأجرت فحصاً ثانياً، حيث أخبرها الممارس هناك أن نبض الجنين ضعيف لكنه لا يزال موجوداً. وتابعت سعاد: “تمسكت بتلك النتيجة لأنها لم تكن تريد الإجهاض”. وبعد شهرين، بدأ جسد المريضة في التورم، وكان لابد من استئصال الجنين لإنقاذ حياة الأم.
وشددت سعاد على أن العديد من العيادات والمراكز الصحية بحاجة إلى التجهيز بالأجهزة الطبية الحديثة التي توفر نتائج دقيقة لتجنيب المرضى معاناة المرض. وقالت: “هذه مسؤولية مشتركة تقع على عاتق السلطات اليمنية والقطاع الخاص والمنظمات الإنسانية الدولية لضمان وصول المرضى إلى فحوصات طبية موثوقة”.
تقليص المساعدات يحصد الأرواح
عمل أحمد يحيى كعامل إغاثة مع العديد من المنظمات الإنسانية المحلية والأجنبية في المناطق الريفية بمحافظتي الحديدة وريمة خلال الحرب. وقال للجزيرة إن المساعدات المقدمة للقطاع الصحي أنقذت أرواحاً، وحسنت الصحة الشخصية لعدد لا يحصى من الناس، وحافظت على استمرارية المرافق الصحية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 450 مرفقاً في اليمن قد أغلقت بالفعل، بينما يواجه آلاف المرافق الأخرى خطر فقدان التمويل.
وقال يحيى: “كانت الأدوية والمعدات الطبية وبرامج التدريب الصحي من بين حزم المساعدات التي قدمتها المنظمات الإنسانية لمناطق مختلفة في اليمن. ولولا هذه المساعدات الصحية، لكان الموت قد حصد أرواحاً أكثر بكثير”.
ويعد تراجع المساعدات مصدر قلق خطير وواضح بشكل متزايد. وأضاف يحيى: “في الآونة الأخيرة، خفضت المنظمات الإنسانية برامج مساعداتها بشكل كبير في المناطق التي أعمل بها. على سبيل المثال، انخفضت التغذية العلاجية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وللنساء الحوامل والمرضعات خلال العام الماضي، ويبدو أن هذا التراجع سيستمر هذا العام”.
وقد اعترفت الأمم المتحدة نفسها بهذا الوضع؛ ففي 19 يناير، قال هارنيس، منسق الأمم المتحدة: “على مدى 10 سنوات، تمكنت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من تحسين معدلات الوفيات والمرضى… هذا العام، لن يكون الأمر كذلك”.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الشهر الماضي إلى أن خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 لم تُمول إلا بنسبة 25 بالمئة فقط. وقد أجبرت فجوة التمويل الوكالات على تقليص الخدمات المنقذة للحياة في جميع القطاعات، مما ترك ملايين اليمنيين على حافة الانهيار الصحي الشامل.
كما يفرض الوضع الأمني في شمال اليمن، حيث يحكم الحوثيون، تحديات إضافية؛ فقد احتجزت السلطات في صنعاء 73 من عاملي الإغاثة التابعين للأمم المتحدة منذ عام 2021 بتهمة التجسس، مما دفع منظمات الأمم المتحدة إلى تعليق عملياتها.
وتسيطر سلطات الحوثيين على شمال اليمن، حيث يعيش ما بين 70 إلى 80 بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم 42 مليون نسمة. وتجبر هذه البيئة العدائية المنظمات على وقف أو تقليص برامجها، مما يترك الملايين في ظروف صحية ومعيشية يائسة.
وختم يحيى قائلاً: “عندما تتوقف المساعدات، تشعر العائلات بالعجز، ويفقدون الوصول إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة والمساعدات الحيوية. وطالما استمرت الحرب، يجب أن يستمر الدعم الإنساني وتسهيل إخلاء المرضى. إن العقاب الجماعي للسكان أمر غير عادل وغير إنساني”.
المصدر الرئيس: Al Jazeera English
The post تهالك المعدات الطبية وإغلاق المطارات وتقليص التمويل.. ثالوث يهدد حياة اليمنيين appeared first on يمن مونيتور.