
يعتزم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية مضادة جديدة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، الأربعاء 2 أبريل/نيسان 2025، لينهي بذلك القواعد التجارية القائمة منذ عقود في خطوة من المرجح أن تُقابل برد من جميع الأطراف وتؤدي إلى عودة التضخم من جديد وإشعال حرب تجارية عالمية، خاصة مع الصين.
وأعرب بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن معارضتهم لاستراتيجية فرض الرسوم الجمركية، التي يحذر المنتقدون من أنها قد تؤدي إلى حرب تجارية عالمية.
ولا تزال تفاصيل خطة ترامب، المقرر الكشف عنها الأربعاء الذي أُطلق عليه “يوم التحرير”، قيد الصياغة، وتُعقد اجتماعات مكثفة قبل مراسم الإعلان بالبيت الأبيض المتوقع إقامتها في الساعة الرابعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة.
وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، الثلاثاء، إن الرسوم الجمركية الجديدة ستدخل حيز التنفيذ فور الإعلان عنها، بينما ستدخل رسوم منفصلة بنسبة 25% على جميع واردات السيارات حيز التنفيذ، الخميس 3 أبريل/نيسان 2025.

لماذا يفرض ترامب رسوماً جمركية على شركاء الولايات المتحدة؟
ذكر ترامب مراراً أن الخطة تهدف إلى موازنة الرسوم الجمركية الأمريكية المنخفضة عموماً مع تلك التي تفرضها الدول الأخرى، ومواجهة قيودها غير الجمركية التي تضر بالصادرات الأمريكية.
وقال ترامب إن العمال والمصنعين الأمريكيين تضرروا على مدى عقود من اتفاقيات التجارة الحرة التي خفضت القيود أمام التجارة العالمية، وعززت نمو سوق أمريكية للسلع المستوردة بقيمة ثلاثة تريليونات دولار.
وتزامنت الزيادة الكبيرة في الواردات مع ما يراه ترامب جانباً سلبياً صارخاً؛ وهو الاختلال الكبير في التوازن التجاري بين الولايات المتحدة والعالم، مع عجز في تجارة السلع يتجاوز 1.2 تريليون دولار.
ما هي تفاصيل الإعلان المرتقب لترامب في يوم التحرير؟
لم يكشف البيت الأبيض حتى الآن عن تفاصيل خطة ترامب لفرض رسوم جمركية على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول تجاري سابق في إدارة ترامب خلال ولايته الأولى أن الرئيس الأمريكي قد يفرض معدلات رسوم جمركية شاملة على كل دولة على حدة بمستويات أقل نسبياً.
وأضاف المسؤول السابق أن عدد الدول التي ستُفرض عليها تلك الرسوم سيتجاوز على الأرجح 15 دولة، وهو العدد الذي قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في وقت سابق إن الإدارة تركز عليه نظراً للاختلال التجاري الواسع للولايات المتحدة مع تلك البلدان.
وقال النائب الجمهوري بمجلس النواب، كيفن هيرن، إن بيسنت أبلغ الأعضاء الجمهوريين في المجلس، الثلاثاء، أن الرسوم الجمركية المضادة تمثل “سقفاً” لأعلى مستوى رسوم أمريكية ستواجهه الدول، وربما تنخفض في حال استجابتها لمطالب الولايات المتحدة.
وقال المسؤول السابق في وزارة التجارة، رايان ماجيروس، إن تطبيق رسوم جمركية عالمية سيكون أسهل في ظل جدول زمني ضيق، وقد يدر إيرادات أكبر، لكن تطبيق الرسوم الجمركية المضادة على كل دولة على حدة سيكون أكثر ملاءمة لممارسات التجارة غير العادلة للدول.
وأضاف: “على أي حال، ستكون آثار قرارات اليوم كبيرة على مجموعة واسعة من القطاعات”.

كيف ستتأثر منطقة الشرق الأوسط برسوم ترامب الجمركية؟
لم تُذكر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى الآن كنقطة محورية في إجراءات الإدارة الأمريكية الجديدة المتعلقة بالرسوم الجمركية.
ومع ذلك، لا تزال المنطقة عرضة للعواقب الاقتصادية غير المباشرة للتدابير التجارية المفروضة على مناطق جغرافية أخرى.
وبينما تواجه الاقتصادات المعنية – أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي والصين – مستقبلاً شديد الغموض بسبب الرسوم الجمركية، لا تزال هناك أسباب للقلق في منطقة الشرق الأوسط، التي لم يُفرض عليها أي رسوم إضافية حتى الآن، بالإضافة إلى فرص يمكن اغتنامها على النحو التالي:
أولاً: المخاطر
- الصادرات:
إن فرض رسوم جمركية عالمية عامة قد يعيق نمو الصادرات من المنطقة، على الرغم من أن المنطقة لديها مستوى معتدل من الصادرات إلى الولايات المتحدة، وباستثناء إسرائيل والأردن، لا تحتفظ بفائض تجاري كبير.
- رفع أسعار الفائدة:
ومن المرجح أن تواجه دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تحافظ على سعر صرف ثابت لعملاتها مقابل الدولار الأمريكي، مثل السعودية والإمارات وقطر، سياسات نقدية أكثر تشدداً، إذ يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة مرتفعة لمكافحة التضخم. وقد يُعيق هذا السيناريو استثمارات القطاع الخاص ويُضعف نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
ومن المتوقع أن يؤدي احتمال ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى انخفاض كبير في تدفقات المحافظ الاستثمارية إلى سندات الدين في الأسواق الناشئة، بما في ذلك تلك القادمة من عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
- ارتفاع قيمة الدولار:
ومن شأن ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، نتيجة لفرض التعريفات الجمركية بشكل مستمر، أن يجعل الواردات أرخص، في حين يعمل على تقليص القدرة التنافسية للصناعة المحلية، مما يؤدي إلى تدهور الموازين التجارية وانخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذه الاقتصادات المرتبطة بالدولار.
كما أن ارتفاع قيمة الدولار يعني ارتفاع تكلفة خدمة الديون المقوّمة بالدولار. وبالنسبة للبنان والأردن ومصر، التي تعاني من مستويات مرتفعة من الديون الخارجية، يُمثل هذا الأمر مصدر قلق بالغ، وقد يُسبب معاناة اقتصادية حادة.
- نزوح رؤوس الأموال:
ومع انحسار فارق أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، يتضاءل الحافز للاستثمار في الدين المحلي، مما قد يؤدي إلى تدفقات رأس المال إلى الخارج، وتحديات في السيولة تُذكرنا بأزمة العملة الصعبة التي شهدتها مصر في 2022/2023.
وقد تواجه دول مثل تونس والمغرب تدهوراً في مؤشرات استدامة الدين إذا استمر نزوح رؤوس الأموال وتقلّص فارق أسعار الفائدة مع سوق الدولار الأمريكي.
- انخفاض أسعار النفط:
وفي حال انخفاض أسعار النفط بالتزامن مع تشديد الأوضاع المالية، فقد تضطر الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى خفض الإنفاق وتأجيل مبادرات الاستثمار.
- الأردن الأكثر تأثراً:
وسيكون الأردن الدولة الأكثر تأثراً بحروب الرسوم الجمركية في المنطقة، نظراً لاعتماده الكبير على الولايات المتحدة في صادراته، وفقاً لما نقلته شبكة سي إن بي سي عن جيمس سوانستون، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس بلندن. وتتجه نحو 25% من صادرات الأردن، وخاصة المنسوجات والمجوهرات، إلى الأسواق الأمريكية.
وقال سوانستون لشبكة سي إن بي سي: “الاقتصاد الأردني هو الأكثر عرضة للرسوم الجمركية المحتملة”.
- رفع التكاليف:
ونظراً لارتباط العديد من سلاسل التوريد في الشرق الأوسط ارتباطاً وثيقاً بالأسواق العالمية، فإن المنتجات القادمة من الصين أو التي تحتوي على مكونات صينية، معرضة بشكل متزايد لخطر فرض رسوم جمركية أعلى أو رسوم إغراق عند دخولها الولايات المتحدة. وقد تؤدي مثل هذه التدابير إلى تعطيل تدفقات التجارة، ورفع التكاليف، وإجبار الشركات العاملة في الشرق الأوسط على إعادة النظر في استراتيجيات سلسلة التوريد لتقليل التعرض لهذه المخاطر.

ثانياً: الفرص
- تأثير محدود
فيما نقلت شبكة سي إن بي سي عن خبراء اقتصاديين أن التأثير المباشر للرسوم الجمركية، مثل الرسوم الأمريكية على واردات الصلب والألمنيوم، محدودٌ للغاية على الشرق الأوسط.
فعلى سبيل المثال، استحوذت منطقة الخليج على ما يقارب 16% من واردات الألمنيوم الأمريكية في عام 2024، بقيادة الإمارات والبحرين، وفقاً لكارلا سليم، الخبيرة الاقتصادية في ستاندرد تشارترد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم أن هذه القطاعات قد تتأثر، كما يقول المحللون، إلا أن الضرر سيكون طفيفاً.
- ممرات تجارية
كما أن أحد التغييرات المهمة والإيجابية التي قد تحدثها التعريفات الجمركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو الدفع نحو إنشاء ممرات تجارية أكثر انسيابية جغرافياً.
وقالت كارلا سليم: “بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نعتقد أن هذا سيضيف زخماً للممرات التجارية سريعة النمو، مثل ممر التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، الذي شهد نمواً طويل الأجل بنسبة 15%، ومن المتوقع أن يستفيد أكثر من غيره”.
ورأت سليم أن ارتفاع أحجام التجارة يؤدي إلى زيادة موازية في التدفقات المالية والاستثمارية بين دول الخليج وآسيا على وجه الخصوص، “حيث تقوم الشركات الآسيوية بإنشاء وجود لها في الشرق الأوسط أو توسيع الأعمال التجارية القائمة، مما يضيف الزخم إلى النمو العضوي الذي لاحظناه منذ مبادرة الحزام والطريق الصينية”.
- سلع صينية رخيصة
وقد تؤدي الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين إلى إغراق منطقة الشرق الأوسط بالسلع الرخيصة من الصين، وفقاً لتحليل جديد أجرته وكالة بلومبرغ.
وفرض ترامب بالفعل رسوماً جمركية بنسبة 20% على جميع السلع الصينية الداخلة إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رسوم جمركية أخرى على المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الصلب والألمنيوم.
والنتيجة المترتبة على هذه التعريفات هي أن المصنعين الصينيين سوف يبحثون عن أسواق أخرى لبيع سلعهم إليها، بما في ذلك العالم النامي وما يسمى بالجنوب العالمي.
وبحسب بلومبرغ، قد تواجه تركيا، التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز صناعي لأوروبا، تدفقاً هائلاً من الواردات الصينية الأرخص. خلال ولايته الأولى، فرض ترامب رسوماً جمركية على الصين، والتي أبقت عليها إدارة بايدن إلى حد كبير.
ووفقاً لبلومبرغ، ارتفعت قيمة الصادرات الصينية إلى تركيا من 23.8 مليار دولار إلى 45.1 مليار دولار بين عامي 2017 و2023.

ما هو رد الفعل الدولي على قرارات ترامب المرتقبة؟
توعد الشركاء التجاريون، من الاتحاد الأوروبي إلى كندا والمكسيك والصين، بالرد برسوم جمركية مضادة وإجراءات أخرى، حتى مع سعي بعضهم للتفاوض مع البيت الأبيض.
ويمكن رصد أبرز ردود الفعل الدولية على رسوم ترامب الجمركية فيما يلي:
- فرنسا: قال وزير الصناعة الفرنسي، مارك فيراتشي، الأربعاء، إن أوروبا سترد بشكل متناسب على الرسوم الجمركية التي سيفرضها ترامب لكنها لن تصّعد التوتر تحت أي ظرف من الظروف.
- الاتحاد الأوروبي: من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الثلاثاء، إن الاتحاد الأوروبي مستعد للرد على الرسوم الجمركية الأمريكية بتدابير مضادة قوية إذا لزم الأمر.
- وقالت في كلمة أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ: “هدفنا التوصل إلى حل عبر التفاوض. لكننا سنحمي مصالحنا وشعوبنا وشركاتنا بالتأكيد إذا لزم الأمر”.
- كندا: وقال مكتب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إنه تحدث مع الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أمس الثلاثاء عن خطة كندا “للتصدي إلى الإجراءات التجارية غير المبررة” التي اتخذتها الولايات المتحدة.
- إسرائيل: فيما قال مسؤولون، الثلاثاء، إن إسرائيل ألغت الرسوم الجمركية المتبقية على وارداتها من الولايات المتحدة، قبل يوم واحد من فرض إدارة ترامب للرسوم المضادة على الشركاء التجاريين في أنحاء العالم.
- تايوان: وأوضح وزير الاقتصاد التايواني، كيو جيه هوي، أن بلاده درست مختلف السيناريوهات، بما يشمل فرض رسوم بنسبة 10 أو 25%، وأنها مستعدة لحماية صناعاتها الوطنية، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
- فيتنام: وفي محاولة لاحتواء الأزمة، خفضت فيتنام الرسوم الجمركية على بعض السلع، في خطوة فسرت على أنها تهدف إلى استرضاء واشنطن.
- بريطانيا: وقال رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إن لندن تسعى لإبرام اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى تقدم ملموس على الرغم من احتمال تعرض بلاده لضرر من الرسوم الجديدة.
- الصين: وذكر حساب لتلفزيون الصين المركزي (سي.سي.تي.في) على منصات التواصل الاجتماعي، الثلاثاء، أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية توصلت إلى توافق على أن ترد بشكل مشترك على الرسوم الجمركية الأمريكية.
- وجاء في منشور على حساب (يويوان تانتيان) بمنصة ويبو أن اليابان وكوريا الجنوبية تسعيان لاستيراد مواد خام لأشباه الموصلات من الصين، وأن الصين مهتمة أيضاً بشراء منتجات الرقائق من اليابان وكوريا الجنوبية.
- وأضاف الحساب أن الأطراف الثلاثة اتفقت على تعزيز التعاون في سلسلة التوريد والانخراط في حوار أوسع بشأن ضوابط التصدير.