حمل خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي جملة من الدلالات السياسية والأمنية في مرحلة تتسم بالتعقيد والتحديات، حيث أعاد التأكيد على حق الدولة في احتكار القرار والسلاح، وممارسة وظائفها السيادية كاملة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وضبط المجالين العسكري والأمني.
وحدّد الخطاب ملامح الاتجاه الذي تنوي الدولة المضي فيه إزاء مليشيات الحوثي، بين فتح باب السلام وفق المرجعيات المتفق عليها، أو الانتقال إلى مرحلة الحسم في حال استمرار الرفض. وفي السياق ذاته، تضمن الخطاب رسائل طمأنة لليمنيين بشأن استمرار الدور السعودي الداعم لمسار استعادة الدولة وبناء مؤسساتها وإنهاء حالة التشتت التي طبعت المرحلة السابقة.
يناقش هذا التحليل أبرز مضامين خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، من خلال تفكيك رسائله السياسية والأمنية، وقراءة ما انطوى عليه من إشارات تتعلق بإعادة ترتيب مركز القرار العسكري، وحدود الشراكة الإقليمية، ومسار التعامل مع التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، إلى جانب مقاربته للقضية الجنوبية ودلالات إسناد دور محوري للسعودية في إدارة المرحلة المقبلة.
استلام المعسكرات: تثبيت قرار سيادي
لم يكن إعلان العليمي نجاح عملية استلام المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة، والتي تمت عبر عملية عسكرية حملت اسم "استعادة المعسكرات" مطلع الشهر الجاري، لم يكن إجراءً إداريًا بقدر ما كان رسالة سياسية مزدوجة للداخل والخارج.
فعلى المستوى الداخلي، حمل الخطاب إشارة واضحة إلى أن تعدد مراكز القوة لم يعد مقبولًا، وأن احتكار الدولة للسلاح والمؤسسة العسكرية بات شرطًا لا يمكن الالتفاف عليه، وينسجم هذا الطرح مع التوجه الذي أعلنه في الأيام الماضية بخصوص توحيد القوات تحت قيادة واحدة بما يدعم تحقيق الهدف المشار إليه أعلاه.
وفيما يتعلق بالخارج، فقد حمل الإعلان رسالة طمأنة للشركاء الإقليميين والدوليين بأن مجلس القيادة قادر على فرض قرارات سيادية في نطاق نفوذه، ولو بصورة تدريجية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث السياسي ياسين التميمي أن الخطاب "رد بشكل غير مباشر على الأسئلة التي تطرحها الإمارات في الأروقة الغربية حول مستقبل مواجهة الإرهاب في اليمن بعد خروجها منه”، من خلال تأكيد الالتزام بمحاربة الإرهاب وتأمين الممرات المائية ومنع تهريب السلاح.
اللجنة العسكرية العليا: توحيد القوة
تضمن الخطاب إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا تتولى إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية، مما يفتح عمليًا مسار إعادة هندسة المشهد العسكري تجاه القوى المسلحة التي تشكّلت خلال سنوات الحرب خارج وزارتي الدفاع والداخلية.
وكان لافتا أن هذا الإعلان وضع هذه اللجنة تحت مظلة تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية وهو أمر مفهوم بالنسبة للمراقبين الذين يعتقدون أن هذا التوجه يعكس إدراكًا رسميًا بأن أي إعادة ضبط داخلي للقوة العسكرية تحتاج إلى غطاء إقليمي، في ظل التحديات الكثيرة التي تواجه الدولة خصوصا مع مواجهة تداعيات انسحاب دولة الإمارات التي تركت كيانات مسلحة يتطلب التعامل معها سندا خارجيا وهذا الظهير يتمثل في الرياض.
القضية الجنوبية: إدارة سياسية بدل فرض بالقوة
حرص العليمي على التأكيد المتكرر على عدالة القضية الجنوبية وربطها بالحوار الجنوبي الشامل برعاية سعودية يعكس توجّهًا لاحتواء هذا الملف سياسيًا، ونزع الذرائع من القوى التي تبرر التصعيد والانفصال باستخدام السلاح، وهو أيضا يعيد تعريف مسارها باعتبارها ملفًا سياسيًا يُدار بالحوار وضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية وضمانات إقليمية ودولية، لا مشروعًا يفرضه فاعلون مسلحون.
تبدو الرسالة هنا بمثابة تأكيد واضح بأن زمن ادعاء أي طرف تمثيل الجنوب بشكل حصري، قد انتهى وأنه فرض الأجندات بالقوة غير مقبول وأن الدولة تدعم حل هذه القضية عبر مسار سياسي يشارك فيه جميع المكونات الجنوبية دون استثناء.
الحوثيون: خياران بلا منطقة وسطى
تعاطي الخطاب مع الحوثيين جاء حادًا من حيث اللغة السياسية، مع ربط مباشر بإيران، لكنه في جوهره قدّم معادلة واضحة: السلام وفق المرجعيات، أو استكمال المعركة، وهي مقاربة تنسجم مع المزاج الإقليمي والدولي الراهن، الذي لم يعد متسامحًا مع الكيانات المسلحة الرافضة للحلول السياسية.
غير أن هذا الخيار العسكري يبقى، عمليًا، مرتبطًا بقدرة اللجنة العسكرية الجديدة والدعم الخارجي ولكن الصورة تبدو واضحة بالنسبة للقيادة السياسية وما يمكنها فعله في مواجهة الاحتمالات المختلفة.
وقد أثار الخطاب ردود فعل حادة من جانب الحوثيين الذين سارعوا كعادتهم للتهديد والوعيد بدلا من التقاط الرسالة السياسية والتفكير بالمصالح العامة لليمنيين بعد سنوات من المغامرة بها دونما مراجعة.
إنهاء منطق السلاح: قرار نهائي
تشديد العليمي على رفض إدارة الخلافات بالسلاح، وحماية الدستور والقانون، لا يمكن قراءته كلغة خطابية فقط، بل كمؤشر على نية الانتقال من إدارة التوازنات الهشة إلى محاولة فرض قواعد عامة، كما أن دعوته من "ضل الطريق" لتسليم السلاح وإعادة المنهوبات تحمل مضمون إنذار سياسي: التسوية متاحة الآن، لكن استمرار الوضع القائم لن يكون بلا كلفة.
القيادة السياسية تتعامل بشكل إيجابي مع التطورات وتقدّم الفرص السياسية على حساب المحاسبة على أمل تطبيع الأوضاع وطي صفحة الماضي والتفكير نحو المستقبل بشكل بناء ومسؤول.
السعودية: الضامن والفاعل المركزي
خصص الخطاب إشادة مطولة بالدور السعودي وهو ما يعكس تثبيتًا لدور الرياض بوصفها الضامن السياسي والأمني للمرحلة المقبلة، لا مجرد راعٍ للحوار، فهي اللاعب المركزي في إعادة ترتيب المشهد اليمني، في مقابل إعادة ضبط أدوار إقليمية أخرى.
ويشير هذا التركيز إلى قناعة لدى القيادة السياسية بأن إعادة بناء الدولة، وفرض وحدة القرار، وإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة الخارجة عن الإطار المؤسسي، لا يمكن أن يتم دون مظلة سعودية مباشرة، خاصة في ظل تشابك النفوذ الإقليمي وتعقيدات الصراع الداخلي.
الخلاصة
يمكن قراءة خطاب رئيس مجلس القيادة بوصفه إعلان دخول مرحلة جديدة عنوانها إعادة مركزية الدولة، وتوحيد القرار العسكري، واحتواء القضايا السياسية بالحوار بدل السلاح. لكنه في الوقت نفسه يضع مجلس القيادة أمام اختبار حقيقي: تحويل الخطاب إلى إجراءات ملموسة، خصوصًا في ملفات دمج القوات، وضبط النفوذ، ومنع إعادة إنتاج واقع الأمر الواقع تحت مسميات جديدة.
أخبار ذات صلة.