افتتاحية 26سبتمبر
في خضم التحولات الكبرى والمنعطفات التاريخية التي تمر بها المحافظات المحررة يبرز حراك سياسي ونشاط اقتصادي يبعث في النفوس بصيصاً من الأمل الممزوج بالتطلع نحو مستقبل مزدهر مستقبلٍ يليق بتضحيات اليمنيين وطموحهم في وطن آمن ومستقر بعيداً عن كل المنغصات والمخاطر التي تتربص بكيان الدولة، إلا أن هذا التفاؤل على مشروعيته وقوته يصطدم بجدار من التحديات المفتعلة التي تشترك في صناعتها وتغذيتها أجندات متقاطعة، تبدأ من المشروع التوسعي لمليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانيا، ولا تنتهي عند الدور التخريبي الذي تلعبه دويلة الإمارات العربية المتحدة، حيث يسعى هذا الثنائي- كل بطريقته- إلى تعثير الخطى نحو استعادة مؤسسات الدولة وبنائها على أسس وطنية سيادية ثابتة وقوية.
إننا ونحن نتمسك بهذا التفاؤل إلى أقصى درجاته، نجد أنفسنا أمام واقع مرير تفرضه الأدوات المحلية التي تعمل بالوكالة، ممارسةً سلوكيات تعكر صفو التحول الديمقراطي والوطني وتعيد الجماهير في كثير من الأحيان إلى مربع الشك والريبة في ديمومة هذا التحرك نحو النجاح، وهو شك لا ينبع من فراغ بل هو نتاج طبيعي لبقاء بعض أجهزة المجلس الانتقالي المنحل ممسكة بمفاصل الدولة الحيوية والحساسة، حيث لا يزال الحزام الأمني يبسط سيطرته على النقاط الأمنية داخل العاصمة المؤقتة عدن وفي مداخلها وعلى طول الخطوط الرئيسية الرابطة بين المحافظات الجنوبية، محولا هذه النقاط من أدوات لحماية المواطن إلى مراكز للابتزاز والنهب والاعتقال التعسفي، وممارسة أساليب عنصرية مقيتة غريبة عن نسيج المجتمع اليمني الأصيل.
وما يثير السخرية والألم في آن، هو محاولة التخفي وراء مسميات جديدة مثل (الأمن الوطني) لذر الرماد في العيون، بينما الحقيقة الصارخة تشير إلى أن هذه التشكيلات لا تزال تتصرف كمليشيا متعالية على القانون وكأنها دولة داخل الدولة، وقد وصلت هذه العنجهية إلى ذروتها في تجاوزات لم تعد تمس الداخل اليمني فحسب، بل امتدت لتطال رموز التحالف الداعم للشرعية، في إشارة واضحة وصريحة إلى أن هذه القوى لا تزال تستمد جرأتها من تدخل إماراتي سافر في الشأن السيادي اليمني، وتتلقى منه التوجيهات المباشرة لإحداث الفوضى وتقويض أي فرصة للاستقرار الشامل، بهدف إبقاء البلاد في حالة من السيولة الأمنية والضعف المؤسسي.
إن الاستمرار في هذا النهج الملتوي لم يعد مقبولا، والرهان على عامل الوقت لشرعنة هذه الكيانات هو رهان خاسر، فما يطلبه اليمنيون اليوم- وبصوت واحد- هو وضع حد نهائي وقطعي ليد العبث الخارجية التي تعبث بمقدراتهم وأمنهم.
وإن الطريق الوحيد والآمن لاستعادة هيبة الدولة يتمثل في التسريع الفوري وغير المشروط لعملية إخراج الألوية المليشياوية من عدن ودمجها دمجاً حقيقياً وعلمياً في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، بعيداً عن الولاءات المناطقية أو الحزبية.
إن تسليم عدن وباقي المحافظات لقوات أمن شرعية وطنية غير مطعمة بعناصر انفصالية أو مليشياوية هو الضمانة الوحيدة لتطهير مؤسسات الأمن من شوائب الفوضى وللشروع فعلياً في بناء يمن جديد يسوده القانون، وتحكمه المؤسسات، ويقطع فيه الطريق على كل من تسول له نفسه مقايضة أمن اليمنيين بأجندات عابرة للحدود.