التظاهر السلمي في اليمن.. حق دستوري بين الضمانات القانونية والقيود
رسمي
منذ يوم
مشاركة

 

 

 

سبتمبر نت/ صلاح القميري

 

يُعدّ الحق في التظاهر السلمي تجسيداً عملياً لحريتي التعبير والتجمع، وهما من الحقوق الدستورية التي كفلها الدستور اليمني ونظّم ممارستها بقانون خاص. فقد أقرّ الدستور هذا الحق، ونظّمه تفصيلاً القانون رقم (29) لسنة 2003م بشأن تنظيم المظاهرات والمسيرات.

غير أن ممارسة هذا الحق لا تُعدّ مطلقة، بل تخضع لضوابط دستورية وإجراءات قانونية تهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات حفظ النظام العام، وهو ما نبينه فيما يلي.

الفرع الأول: الإطار الدستوري والقانوني لكفالة حق التظاهر

أولاً: الإطار الدستوري

كفل الدستور اليمني حرية الرأي والتعبير باعتبارها الحاضنة الأساسية لحق التجمع والتظاهر السلمي، وارتبط هذا الحق ارتباطاً وثيقاً بالمشاركة في الحياة العامة.

ومن أبرز النصوص الدستورية ذات الصلة:

المادة (42) من الدستور، التي تنص على:

((لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون)).

المادة (58) من الدستور، التي تقرر:

((للمواطنين في عموم الجمهورية، وبما لا يتعارض مع نصوص الدستور، الحق في تنظيم أنفسهم سياسياً ومهنياً ونقابياً، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاتحادات الوطنية بما يخدم أهداف الدستور، وتضمن الدولة هذا الحق، كما تتخذ جميع الوسائل الضرورية التي تمكّن المواطنين من ممارسته، وتكفل كافة الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والثقافية والعلمية والاجتماعية)).

وفي المقابل، أوجب الدستور على كل مواطن التقيد بضوابط ممارسة هذه الحقوق، وفقاً لنص المادة (61) التي قررت أن الحفاظ على الوحدة الوطنية، وصيانة أسرار الدولة، واحترام القوانين والتقيد بأحكامها، واجب على كل مواطن.

ثانياً: الإطار القانوني (الضمانات والحقوق العامة)

نظم القانون رقم (29) لسنة 2003م بشأن تنظيم المظاهرات والمسيرات ممارسة هذا الحق، حيث أكدت المادة (3) منه كفالة حق التظاهر بوصفه حقاً للمواطنين، والأحزاب السياسية، والنقابات، والمنظمات الجماهيرية، في تنظيم المظاهرات والمسيرات السلمية، باعتباره امتداداً طبيعياً لحرية الرأي والتعبير.

إلا أن هذا الحق مشروط بالسلمية واحترام الدستور والنظام العام، فالتظاهر ليس حالة فوضى، ولا يُعدّ ترخيصاً مفتوحاً لتجاوز القانون أو المساس بالثوابت الوطنية.

الفرع الثاني: الإجراءات القانونية لممارسة حق التظاهر

حدّد القانون إجراءات ممارسة هذا الحق، وألزم بتقديم إخطار مسبق إلى الجهات المختصة، ومنح السلطات المختصة صلاحية تنظيم المظاهرات والمسيرات بما يحقق الحفاظ على الأمن والنظام العام، كما أجاز فرض قيود استثنائية في حالات الحرب أو الظروف الاستثنائية.

الفرع الثالث: المحظورات والعقوبات

تتمثل المحظورات في المخالفات التنظيمية، والحظر الأشد الذي يمكن وصفه بـ “الخطوط الحمراء”، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: المخالفات التنظيمية

وهي المخالفات المتعلقة بالإجراءات، مثل التظاهر دون إخطار، أو مخالفة أوامر التفريق، أو التحريض، ويعاقب عليها القانون بالحبس أو الغرامة وفقاً لنص المادة (16) من قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات. وقد انتهج القانون سياسة التدرج في التفريق بين المخالفات التنظيمية والحظر الأكبر.

1- مخالفات قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات

أ- كل دعوة أو تنظيم لمظاهرة أو مسيرة بالمخالفة لأحكام القانون، يترتب عليها مساءلة القائمين بها جنائياً، ويُعاقب عليها بالحبس من خمسة عشر يوماً إلى شهرين أو بالغرامة المالية، وفقاً لأحكام المواد (10، 11) من القانون، ومن ذلك:

التظاهر دون إخطار مسبق.

مخالفة أوامر قوات الأمن المختصة بالتفريق.

ب- التحريض على عسكرة المظاهرات، وهو ما يؤدي إلى انتفاء صفة السلمية شكلاً وجوهراً، ومن ذلك:

حمل السلاح.

حمل المتفجرات أو المفرقعات أو المواد السامة.

وبمجرد إدخال هذه العناصر، تفقد المظاهرة صفتها السلمية، وتُرفع عنها الحماية القانونية المقررة لها، وفقاً لأحكام المادة (17) من قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات.

ثانياً: مخالفات قانون الجرائم والعقوبات

نصّت المادة (15) من قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات صراحة على عدم الإخلال بالعقوبة الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى، متى ارتُكبت أفعال تشكّل جرائم جسيمة أثناء المظاهرات.

وبموجب قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م، قد تتراوح العقوبات بين الحبس والغرامة، وقد تصل في بعض الحالات إلى الإعدام، ومن أمثلة ذلك:

الإهانة العلنية لرئيس الدولة، أو القوات المسلحة، أو السلطة القضائية، أو الهيئات النيابية أو النظامية، أو المحاكم والسلطات والمصالح العامة، وفقاً للمادة (197) من قانون الجرائم والعقوبات.

إثارة الفتن والكراهية، وذلك بكل دعوة علنية من شأنها:

التحريض على فئة أو طائفة ضد أخرى.

ازدراء طائفة أو جماعة من الناس.

إثارة العصبيات الطائفية أو العنصرية، متى كان من شأن ذلك تكدير السلم العام، وتُعاقب هذه الجريمة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة، وفقاً للمادة (194) من قانون الجرائم والعقوبات.

ثالثاً: المحظورات الكبرى المحالة إلى القانون العام

وهي الأفعال التي تمس كيان الدولة، وقد تصل العقوبة فيها إلى الإعدام، وتشمل:

المساس بالنظام الجمهوري.

استهداف وحدة البلاد.

تهديد استقلال الدولة أو سلامة أراضيها.

في هذه الحالات، لا يُعدّ الفعل مجرد رأي سياسي، بل يشكّل جريمة ماسة بأمن الدولة، وتتحقق متى توافر القصد الجنائي للمساس بالسيادة أو الوحدة أو الاستقلال. وتصل العقوبة إلى الإعدام، مع جواز مصادرة كل أو بعض أموال الجاني، وفقاً لأحكام المادة (125) من قانون الجرائم والعقوبات، ويظل هذا الحظر قائماً حتى لو حصلت المظاهرة على ترخيص.

خاتمة

يبقى التظاهر السلمي حقاً دستورياً مشروعاً، لكنه في الوقت ذاته مسؤولية قانونية جسيمة قبل أن يكون مجرد ممارسة. ويُعدّ الوعي بالنصوص القانونية والالتزام بالحدود التي رسمها المشرّع خط الدفاع الأول لكل من يشارك في أي مظاهرة أو مسيرة.

وبينما تلتزم الدولة بحماية حق مواطنيها في التعبير السلمي، فإنها تمتلك، في المقابل، أدوات قانونية صارمة لمواجهة أي انحراف عن الإطار السلمي والقانوني للتظاهر، لا سيما إذا اتخذ وسيلة لتحقيق أغراض غير مشروعة أو مورِس على نحو يخل بالنظام العام.

وعليه، فإن الحق يُصان بالالتزام بأحكام القانون، ويُفقد بتجاوزها والله الموفق

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية