قصة غير مرويّة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
نشر موقع يورونيوز الإخباري، في 20 يناير/ كانون الثاني، تقريراً عنوانه: "رجل الظلّ رونالد لودر... رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الذي فتح شهية ترامب على غرينلاند ومعادن أوكرانيا". والحديث عن رجال الظلّ له جمهوره العريض، فهو حديث الغموض والتحرّك في الخفاء... إلى آخر مفردات قاموس الإثارة. وأحسن "يورونيوز" صنعاً، وفي الاستشهاد به ما يدفع عن بعض منتجي هذا الخطاب مختلف أشكال الامتعاض واللوم والتعالي المعرفي! وابتداءً، يعيد عنوان التقرير السجال القديم/ الجديد حول العلني والسرّي في دولة القانون الحديثة، والمسارات الحقيقية للأفكار من خارج هرم البيروقراطية السياسية. فالمؤسّسية (حتى في قلب إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية) لم تمنع يوماً تسلّل أفكار تسهم في صياغة مواقف سياسية في قضايا شديدة الحساسية، وتكشف الأيام أنها تحوّلت قراراً سياسياً بعد أن نجحت يدٌ تتحرّك في الظلام في وضعها على طاولة صانع قرار. وواقع الممارسة السياسية مليء بـ"رجال الظلّ" وأشكال السلطة الموازية. وبتعبير كاتب تقرير "يورونيوز"، هناك أسئلة مفتوحة "حول ما إذا كانت هذه الطموحات الجيوسياسية تخدم المصلحة العامة، أم تعكس نفوذ الأصدقاء الأثرياء في صناعة القرار الأميركي". رجل الظلّ في حالتنا هذه هو الملياردير الأميركي، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي رونالد لودر، وريث إمبراطورية مستحضرات التجميل العالمية "إستي لودر". وقد عمل سفيراً لواشنطن في النمسا في عهد ريغان (1986)، وتقلّد منصباً رفيعاً في وزارة الدفاع الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ما بين 1983 – 1986. وحدّثْ عن دعمه لإسرائيل ولا حرج (!). ورونالد لودر (حرفياً) "تتقاطع نصائحه السياسية مع مصالحه التجارية". والقصة أنه في 2018 استدعى ترامب مستشار الأمن القومي آنذاك، جون بولتون، إلى المكتب البيضاوي لمناقشة فكرة غير مألوفة، بحسب ما رواه بولتون. قال ترامب إن رجل أعمال بارزاً اقترح أن تشتري أميركا غرينلاند، ثم تبيّن أن صاحب الفكرة هو رونالد لودر، وريث إمبراطورية مستحضرات التجميل العالمية "إستي لودر"، صديق ترامب منذ كانا يدرسان في كلية أعمال مرموقة في نيويورك. تتقاطع نصائح رونالد لودر السياسية مع مصالحه التجارية، وتبين أنه صاحب اقترح أن تشتري أميركا غرينلاند لم يُخفِ لودر اهتمامه الاستراتيجي بالإقليم، ففي مقال له في صحيفة نيويورك بوست دافع عن طرح ترامب، معتبراً أن "غرينلاند تختزن ثروةً هائلةً من العناصر الأرضية النادرة الضرورية للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدّمة، إضافة إلى طرق بحرية جديدة تظهر مع تراجع الجليد، ما يعيد تشكيل التجارة والأمن العالميَين". ذكّرني التقرير بقصّة مهمّة (غير منشورة) كنت أحد شهودها. فمع نهاية تسعينيّات القرن الماضي، التقيت (لمرّة وحيدة) المحلّل السياسي المعروف خالد الترعاني في القاهرة. كان يزور مصر لبحث إمكان إطلاق حملة مقاطعة مؤثّرة لسلعة جرى اختيارها بعناية شديدة لتحقّق هدفَي "الجدوى" و"الرمزية" معاً. كان خالد الترعاني وقتها رئيساً لمؤسّسة أميركيون من أجل القدس، وكانت العلامة التي جرى اختيارها مستحضرات تجميل "إستي لودر". ومستعيناً بمطبوعات أُعدّت بعناية شديدة، قدّم معلومات وافية عن الحملة، ثم قال إن هناك معلومة مهمّة ينبغي أخذها في الاعتبار حال دراسة الشروع في الحملة فعلياً، وهي أن "الراعي الرئيس" (غير المُعلَن) لمستحضرات تجميل "إستي لودر" شخصية خليجية من الصف الأول. وكان الكشف عن اسمه مفاجئاً لمعظم الحضور، والمشار إليه اليوم في منصب أرفع بكثير. والوقائع غير المنشورة، مهما بدت بسيطةً، مصدر مهمّ للحقيقة، في منطقة تعاني منذ عشرات السنين موت الإعلام الحرّ، وغياب الوثيقة، وصمت كثير من الشهود، وكتابة التاريخ بـ"آلات فرم المستندات". وفي موسوعة عبد الوهاب المسيري "اليهود واليهودية" مدخلٌ وافٍ عن "إستي لودر" ومالكها، بوصفه منذ سنوات في الصفّ الأول من قادة اللوبي الصهيوني في أميركا. وحجم تأثيره في إدارة ترامب يكشف إدارةً أميركية أقلّ مؤسّسية وأقلّ شفافية من كثير من مثيلاتها؛ فالأصهار والأقارب والأصدقاء يلعبون أدواراً فارقة في ملفّات كبيرة، بل بعضها استثنائي. ورهان صهاينة أميركا على استدامة قوتها مفهوم؛ فالكيان يعاني عزلة (وعلى الأرجح) ينتظره مزيد منها. والدعم الأميركي أثبت خلال "طوفان الأقصى" أنه شريان حياة. وعليه فإن مخطّطات لودر وأمثاله دفاعاً عن مصالح شخصية وعائلية وفئوية تحتاج استدامةَ قوة أميركا لتبقى، وبعضهم يدفعون باتجاه توسّع أميركي نحو القطب الشمالي. تقريرٌ إخباري أسهم في تنشيط ذاكرتي لأسجّل قصةَ "حملة مقاطعة" لم تتم، وبالتالي سقطت من الذاكرة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية