عربي
لم تنشر الجهات الأمنية في الأردن حتى تاريخه كل ملابسات حادثة الطفل المتروك، التي أحدثت لهولها صدمةً كبيرةً بين المواطنين. واهتمّ بالواقعة نشطاء مواقع التواصل، فنشروا صورة الصغير على نطاق واسع، على أمل أن يُحلّ اللغز. وقد تطوّع أكثر من محسن لاحتضان الطفل والعناية به إلى حين كشف المخفي من هذه الحكاية المروّعة لطفل بريء لم يرتكب ذنباً يستحقّ عليه النبذ بهذه القسوة والوحشية.
طفل لم يتقن الكلام بعد، لم يتجاوز عمره عامَين، عُثر عليه وحيداً ومتروكاً في ليل عمّان شديد البرودة، في مشهد صادم قبيح يقطع نياط القلب ويفقد المرء يقينه بالحياة ذاتها، وبالبشر، وبقيم الخير من عطف ورحمة وحبّ وعدالة وأمانة وصدق ومروءة. ويطرح سؤال الأمومة والأبوة التي لا تستحقّها تلك النماذج المجرمة من آباء وأمهات ألقوا بصغيرهم كما لو كان قمامةً، وفرّوا تحت جنح الليل، في فعل مستهجن يتجاوز حدّ الجريمة النكراء التي تقتضي أقسى عقوبة ممكنة، ويناقض غريزةً فطريةً راسخةً في تركيبة سائر المخلوقات؛ تعبّر عنها القطط والكلاب السائبة في الشوارع، فتحمي صغارها بمخالبها، وتبحث عن مكان آمن كي تخبّئها وتدرأ عنها الخطر، وتجوع كي تطعمها وتدفئها، وتهاجم من قد يعتدي عليها، من دون أن يُعلّمها أحد معنى تحمّل المسؤولية، أو يطلعها على بنود اتفاقية حقوق الطفل، الوثيقة الدولية التي تكفل له حقوقاً أساسية أهمها: الحياة، والبقاء، والحماية من العنف والإساءة والاستغلال. وهذا ما لم يتحقّق في حدّه الأدنى للصغير المتروك عاثر الحظ المبتلى بأقرب الناس.
وبحسب مواطنين عثروا عليه هائماً على وجهه، حافي القدمين يرتعش برداً، كان الصغير مذعوراً مرتبكاً باكياً، فأبلغوا الجهات الأمنية التي تحرّكت على الفور، وسُلِّم الطفل لإدارة حماية الأسرة والأحداث التابعة للأمن العام، التي تحفّظت عليه داخل إحدى دور الرعاية بغية حمايته. ومن دون الخوض في التفاصيل، أفاد بيان مُقتضَب للناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام بأن الطفل عُرض على الأطباء، فتأكّدوا من وضعه الصحّي، وحُدّدت هوُيّة والدته، والبحث جارٍ عنها لمتابعة التحقيق والوقوف على ظروف (وملابسات) العثور على الصغير من دون حماية ورعاية.
نفهم، بطبيعة الحال، تحفّظ الجهات الأمنية على تقديم معلومات وافية في أثناء مرحلة التحقيق. وقد انتشرت شائعات مختلفة في محاولة لتفسير هذه القصّة العجيبة؛ منها أن الطفل ينتمي إلى الغجر (النَّور) الذين يقطنون في تلك المنطقة، ولا يفضّلون إنجاب الذكور لأنهم غير مفيدين لقومهم، بل يشكّلون عبئاً مادّياً على الإناث اللواتي يعتبرن مصدر رزق قومهن. وهناك من يقول إن الطفل يتيم الأب، وإن أمّه مطلوبة أمنياً بتهم السطو والتسوّل. وهناك من ذهب إلى أن الأم مطلّقة، والأب لا ينفق على الصغير رغم حصولها على قرار من المحكمة الشرعية يلزمه بدفع نفقة شهرية للطفل تغطّي ملبسه ومأكله ومسكنه، غير أن الأب ممتنع عن تنفيذ القرار معتمداً على إلغاء عقوبة الحبس التي كانت مفروضة على المتخلّف عن نفقة أبنائه. ولأنها سُرّحت من وظيفتها عاملةَ نظافةٍ في مدرسة خاصّة، عجزت عن الإنفاق على الطفل. وثمة من رجّح أن الصغير ثمرة علاقة غير شرعية افتضح أمرها، ما دفع المتورّطين إلى إلقاء الصغير في العراء والهرب بأنفسهم.
أيّاً كان الأمر، ومهما كانت صعوبة الظروف المحيطة وقسوتها، لا شيء قد يبرّر هذه الجريمة الشنعاء التي دفع ثمنها هذا الصغير، الذي كان من الممكن (لولا لطف الأقدار) أن يموت برداً وجوعاً، أو أن يتعرّض له أحدُ الوحوش البشرية من مغتصبي الأطفال، أو أن تفترسه كلابٌ ضالّةٌ جائعة.
ما يعزّي في هذه القصة المؤلمة سرعةُ استجابة الأجهزة الأمنية، وفزعةُ مواطنين كثرٌ لإيواء الصغير والتكفّل به. ونتمنّى من الجهات المختصّة البحث عن كفيل للطفل واعتباره "يتيماً جدّاً" حتى لو عثر على عائلته غير الجديرة بهذا الشرف!

أخبار ذات صلة.
مقبرة يهودية تتعرض للتخريب في برشلونة
العين الإخبارية
منذ 7 دقائق