عربي
في الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات مقتل آلاف الأشخاص في الاحتجاجات الأخيرة في إيران مستمرة، يتواصل نشر مقاطع فيديو وصور جديدة يوميًا توثّق أعمال القتل، كما تتواصل في الوقت نفسه حملات الاعتقال في مدن مختلفة من البلاد، فيما تلقي أجواء الحرب بظلالها الثقيلة على إيران والمنطقة، وتتزايد التحذيرات الصادرة عن طهران.
وفي هذا السياق، أكد نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، اليوم الأحد، في حديث لوكالة أنباء "فارس" المحافظة، في إشارة إلى احتمال الهجوم على إيران، أن "الأعداء تلقّوا مرارًا وتكرارًا صفعات وهُزموا في كل مؤامرة واجهوا بها قواتنا المسلحة، وستكون الحال كذلك في المستقبل أيضًا". بدوره، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني سالار ولايتمدار إن "الحرب قد تندلع في أي لحظة"، واصفًا الاحتجاجات الدموية الأخيرة بأنها "فتنة أميركية"، ومتهمًا المعتقلين بأنهم على صلة بإسرائيل والولايات المتحدة.
وعلى وقع الأجواء الحربية الراهنة وتزايد احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة، نشرت وكالة "فارس"، المقربة من الحرس الثوري، مقطع فيديو يُظهر صواريخ إيرانية أثناء إطلاقها، مع تعليق صوتي يقول: "هكذا سيكون ردّ إيران على الخطأ الاستراتيجي الأميركي". وكررت الوكالة موقف إيران من أي هجوم عسكري، وتحذيرات من "أن أي خطأ استراتيجي أو مساس بأمن إيران يعني إشعال النار في كامل المنطقة"، مؤكدة أن "الأساليب التي نجحت في دول أخرى خلال السنوات الماضية محكوم عليها بالفشل في إيران"، مهددة بأن "أدنى اعتداء في هذا المجال سيقابل بردود ذكية وغير متوقعة من إيران".
وفي الإطار نفسه، أزيل الستار، اليوم الأحد، عن لافتة جديدة في ساحة الثورة وسط طهران، التي غالبًا ما تحمل رسائل سياسية وعسكرية من إيران، تُظهر حاملة طائرات أميركية تتعرض لهجوم، مع أثر دموي مستوحى من علم الولايات المتحدة يبدو مرسومًا على سطح البحر بعد استهداف الحاملة. وتأتي هذه الرسائل العسكرية الإيرانية في وقت أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، عن تحرّك "قوة هائلة" نحو منطقة الشرق الأوسط، بعد توجه حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" ومعدات عسكرية أميركية أخرى إلى المنطقة.
من جهة أخرى، خيّم القلق من اندلاع حرب على دول المنطقة أيضًا. وفي السياق، أفادت وسائل إعلام تركية، اليوم الأحد، بأن الحكومة التركية أعدّت خطة لإنشاء "منطقة عازلة" على الحدود مع إيران في حال اندلاع حرب أو اضطرابات. وقالت صحيفة "ملّيت" المقربة من الحكومة التركية إن أنقرة تسعى من خلال هذه الخطة إلى إبقاء المهاجرين واللاجئين قدر الإمكان داخل الأراضي الإيرانية في حال اندلاع اضطرابات أو حرب في إيران.
وبحسب الصحيفة، أبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية التركية، خلال اجتماع غير علني، أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي بخطة تهدف إلى "إنشاء منطقة عازلة في حال حدوث موجة هجرة، والإبقاء على المهاجرين داخل الأراضي الإيرانية قدر الإمكان".
اعتقالات مستمرة
في سياق الاعتقالات المرتبطة بالاحتجاجات الدامية الأخيرة في إيران، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية، اليوم الأحد، عن اعتقال 40 شخصًا بتهمة "تخريب ممتلكات المواطنين" في محافظة كلستان شمال شرقي البلاد. وجاء في بيان الوزارة أن "هؤلاء الأشخاص اعتقلوا بناءً على بلاغات شعبية، وأن عددًا كبيرًا منهم لديهم سجل في أعمال الشغب والإخلال بالنظام العام والاعتداء على المواطنين"، بحسب زعمها.
واتهمت الوزارة المعتقلين بإحراق متاجر، وتخريب واسع لمحال المواطنين والممتلكات العامة، وإحراق مباني بنوك في مدينة جرجان، وتوزيع زجاجات حارقة وأسلحة بين "مثيري الشغب لتنفيذ أعمال ضد الأمن"، إضافة إلى إحراق مواقع، بينها مبنى محافظة جرجان ودور القضاء في بعض مدن المحافظة، والتواصل مع من وصفتهم بأنهم "مرتزقة عديمي الوطن" في الخارج، وتلقي أموال مقابل إرسال مقاطع فيديو وصور إلى قناة "إيران إنترناشيونال" التي وصفتها بـ"الإرهابية". وأضاف البيان أنه جرى ضبط قطعة سلاح من نوع كلاشينكوف، وثلاثة مسدسات حربية، وثلاث قطع من الأسلحة الشغب والكاسرة، ومئات الطلقات والخرز المعدني، وأنواع من الأسلحة البيضاء كالفؤوس والسيوف، إضافة إلى مئات الليترات من المشروبات الكحولية.
من جهتها، أعلنت استخبارات الحرس الثوري في مدينة القدس، غرب طهران، عن اعتقال 18 شخصًا من "القادة الرئيسيين" للاحتجاجات الأخيرة بتهمة "ارتكاب أعمال إجرامية متعددة، والضلوع في الجريمة، وتنظيم أعمال شغب عنيفة"، مهددة بأن "هؤلاء سيواجهون أشد العقوبات القانونية". كما أعلن مدعي عام كرمان، جنوب شرقي إيران، مهدي بخشي، اليوم الأحد، أن "75% من القاصرين المتورطين في أحداث كرمان الأخيرة أُفرج عنهم بكفالة".
وفي السياق نفسه، أعلن قائد قوات حرس الحدود في قيادة الشرطة الإيرانية العميد أحمد علي كودرزي عن ضبط أكثر من 300 قطعة سلاح حربي خلال الأيام العشرين الماضية. وقال كودرزي إن هذه الأسلحة صودرت من مهربين، مضيفًا أن "أعداد المهاجرين غير الشرعيين تراجعت إلى الحد الأدنى، ولا قدرة لأحد على عبور حدودنا"، مؤكدًا استمرار الجهود الحازمة في مكافحة التهريب، سواء تهريب المواشي أو العبور غير القانوني عبر الحدود.
وفي المقابل، وفيما تنشر مواقع وحسابات خارج إيران مزيدًا من الصور والفيديوهات عن مشاهد القتل وإطلاق النار خلال الاحتجاجات الأخيرة مع اتهام السلطات بها، قال رجل الدين السني البارز في إيران المولوي عبد الحميد، في رسالة نشرها اليوم على منصة "إكس"، إن نشر مزيد من الصور عن "القتل المروّع والوحشي للمتظاهرين" في محافظات مختلفة يدل على "مجزرة منظّمة". وأضاف أن "هذه الفاجعة أحدثت شرخًا عميقًا وغير قابل للإصلاح بين الشعب الإيراني والسلطة الحاكمة".
من جانبه، في إشارة إلى الاحتجاجات الأخيرة، وصف علي بهادري جهرمي، المتحدث باسم الحكومة الإيرانية المحافظة السابقة، من وصفهم بأنهم "مثيري الشغب" بأنهم مرتبطون بـ"دول معادية"، مشيرًا إلى أنه وفقًا لقانون "تشديد عقوبات التجسس"، فإن من بين العقوبات المنصوص عليها "المصادرة الكاملة لممتلكات الشخص المخالف". وأضاف بهادري جهرمي أن "كل من يتحرك بوعي وتعمد استجابة لنداءات العدو (للاحتجاج) سيخضع للملاحقة القانونية". وقال في حديثه لوكالة "فارس" إن "القانون لا يشترط أن يكون الشخص قد قام بنفسه بتخريب أو إحراق الممتلكات العامة؛ فحتى التشجيع أو التحريض أو الدعم للأعمال العنيفة عبر الفضاء الإلكتروني، في حال ثبوت العلم والقصد ووحدة الهدف مع العدو، يمكن أن يُعدّ تعاونًا مع دول معادية".
تضارب حول أعداد قتلى الاحتجاجات في إيران
وفيما أعلنت السلطات الإيرانية أرقام القتلى، لم تُنشر بعد إحصاءات رسمية عن عدد الجرحى أو المعتقلين. وقد أعلن مجلس الأمن الإيراني أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصًا، واصفًا 2427 منهم بـ"الشهداء"، و690 آخرين بـ"الإرهابيين ومثيري الشغب". غير أن موقع "هرانا" الحقوقي، المرتبط بنشطاء حقوقيين إيرانيين في الولايات المتحدة، عدد القتلى بأكثر من 5 آلاف شخص، فيما قدّرت بعض وسائل الإعلام الفارسية المعارضة العدد بأكثر من 20 ألفًا.
وتشكّل إصابات العيون نسبة كبيرة من الجرحى، حيث قال قاسم فخرائي، مدير مستشفى فارابي في طهران، وهو أهم مستشفى تخصصي للعيون في البلاد، إن نحو ألف مريض راجعوا المستشفى وهم يعانون من تمزقات في العين استدعت إجراء عمليات جراحية طارئة. وأوضح فخرائي أن هذه الأرقام لا تشمل إصابات الجفون أو الحالات التي لا تحتاج حاليًا إلى تدخل جراحي، مؤكدًا أن الكادر الطبي عمل بكل طاقته المهنية والإنسانية للحفاظ على عيون المصابين واستعادة بصرهم. وأضاف أنه قبل 8 يناير/كانون الثاني، استقبل المستشفى نحو 55 مصابًا بتمزقات عينية ناتجة عن مقذوفات عالية السرعة، مثل الرصاص المعدني، قدموا من مدن مختلفة، لا سيما همدان وأليغودرز وأزنا، وفق ما أوردت وكالة "إيسنا" الإيرانية الطلابية.
وتابع أن عدد المصابين ارتفع بشكل كبير بعد هذا التاريخ (عندما شهدت البلاد وطهران ليلة دامية قتل فيها الآلاف)، حيث تعرّض 17 مريضًا لإصابات في كلتا العينين، واستقبل المستشفى أكثر من 700 مريض حتى صباح السبت، مع إحالة 196 حالة إلى مستشفيات عيون أخرى في طهران، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو ألف مريض. وختم بالقول إن جميع الحالات التي احتاجت إلى عمليات طارئة خضعت للجراحة خلال يوم أو يومين، كما بدأت العمليات الثانوية، بما فيها عمليات "استئصال الجسم الزجاجي" لاستخراج الأجسام الغريبة من العين، منذ يوم الاثنين، ولا تزال مستمرة.
استمرار قطع الإنترنت
إلى ذلك، وفيما يستمر قطع الإنترنت الدولي في إيران منذ أكثر من أسبوعين، أعلنت وزارة الاتصالات الإيرانية، اليوم الأحد، أن الأنباء المتداولة حول إقرار إعادة ربط الإنترنت بقرار من مجلس الأمن القومي "غير صحيحة". وأكدت الوزارة، ردًا على تقرير نشرته وكالة "فارس" حول "إبلاغ وزارة الاتصالات بقرار رفع القيود عن الإنترنت الدولي من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي"، أن هذا الخبر "عارٍ عن الصحة".
كما قالت منظمة "نت بلوكس"، المعنية بمراقبة الوصول إلى الإنترنت عالميًا، إنه "بعد 17 يومًا من قطع الإنترنت لإخفاء حملة قمع دامية، لا تزال فقط بعض الخدمات المحدودة جدًا والموافق عليها مسبقًا متاحة لعدد قليل من المستخدمين". وأضافت المنظمة أن "أدوات تجاوز الحجب تتيح مرورًا محدودًا للرسائل، وأن الارتفاعات المؤقتة في الاتصال تخلق انطباعًا مضللًا بعودة الإنترنت".
