عربي
تتصاعد مخاوف الفلسطينيين في مختلف مناطق قطاع غزة من خطر الانهيار المفاجئ للمباني المتضررة من جراء الحرب الأخيرة، والتي تعرض عدد كبير منها لاستهدافات جوية مباشرة وغير مباشرة، ما خلف دماراً إنشائياً واسعاً في هياكلها الأساسية، وحولها إلى قنابل موقوتة تهدد حياة السكان على مدار الساعة.
وبحسب معطيات ميدانية وشهادات سكان، فإن العديد من هذه المباني تعرض لغارات جوية متكررة أدت إلى تدمير الواجهات الخارجية، وإحداث تصدعات عميقة في الأعمدة والجدران الحاملة، إلى جانب تضرر البلاطات الخرسانية وانهيار أجزاء من الأسقف الداخلية، فضلاً عن أضرار ارتدادية كبيرة في الأساسات نتيجة قصف مبان مجاورة، ما أفقد هذه المنشآت توازنها الإنشائي وجعلها آيلة للسقوط في أي لحظة.
وتتفاقم خطورة الوضع مع انتشار مخيمات النزوح العشوائية بمحاذاة هذه المباني المتهالكة، حيث اضطرت آلاف العائلات إلى نصب خيامها أو السكن بالقرب منها في ظل انعدام البدائل الآمنة واستمرار أزمة النزوح، ما يضعهم في مواجهة دائمة مع خطر الانهيار، خاصة خلال المنخفضات الجوية، أو مع الاهتزازات الناتجة عن حركة المركبات الثقيلة في الشوارع المكتظة.
يقول المواطن أبو محمد حلاوة، وهو نازح يقيم مع أسرته في إحدى مناطق النزوح القريبة من مبنى متضرر: "نعيش وسط خوف دائم، نعرف أن هذه المباني غير آمنة، لكن لا خيار أمامنا، ومع كل مطر أو رياح قوية نشعر أن الكارثة باتت قريبة، خصوصاً بعد أن شاهدنا مباني انهارت على رؤوس ساكنيها وجيرانها".
يطالب المواطنون الجهات المختصة والبلديات والمؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لإجراء تقييم هندسي شامل للمباني المتضررة في قطاع غزة
ويضيف لـ"العربي الجديد" أن التشققات والتصدعات باتت واضحة للعيان في عدد كبير من المباني، موضحاً أن أي صوت قوي أو مرور شاحنات ثقيلة يجعلهم يخرجون مسرعين من الخيام خوفاً من انهيار مفاجئ، وهو ما بات يفقدهم الشعور بالأمان.
ويحذر مواطنون وناشطون من أن خطر الانهيار لا يهدد قاطني هذه المباني فقط، بل يمتد إلى محيطها المكتظ بالمارة والبسطات الشعبية والمحال التجارية التي عادت للعمل اضطراراً لأنها مصدر رزق وحيد لأصحابها، في ظل غياب أي أعمال تدعيم هندسي أو فحص فني منذ انتهاء الحرب.
من جانبه، يقول صهيب أبو سعدة، وهو صاحب بسطة لبيع المواد الغذائية قرب أحد المباني المتضررة، إن العودة للعمل جاءت قسراً بعد توقف قطاع الإنشاءات الذي كان يعمل به بشكل كامل. ويضيف لـ"العربي الجديد": "نعمل ونحن نشعر بالخطر فوق رؤوسنا، المباني متشققة، وإذا انهارت، فلن تميز أحداً، الشوارع مزدحمة، ولا توجد أي إجراءات سلامة أو مناطق عازلة".
ووفقاً لتقارير الدفاع المدني، فقد شهد قطاع غزة منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي انهيار عشرات المباني المتهالكة التي كانت مصنفة "آيلة للسقوط"، وقد أسفرت هذه الانهيارات عن وفاة وإصابة عدد من الأشخاص، بينهم أطفال، بسبب سقوط أجزاء من المباني المدمرة أصلاً، وهو ما خلق حالة من الخوف بين المواطنين، خاصة في المناطق المكتظة، وسط تحذيرات من تكرار الانهيارات وما تشكله من خطر مباشر على حياة السكان.
وتوضح المواطنة سميرة عناية، وهي نازحة من شمال مدينة غزة، أن الخطر يلاحقهم حتى في أماكن النزوح، قائلة: "هربنا من القصف بحثاً عن الأمان، لكننا وجدنا أنفسنا نعيش بجوار مبان مهددة بالانهيار، نعيش توتراً دائماً، خاصة وقت المطر أو الرياح، ولا أحد يسأل عنا".
ويطالب المواطنون الجهات المختصة والبلديات والمؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لإجراء تقييم هندسي شامل للمباني المتضررة في قطاع غزة، واتخاذ خطوات فورية لتدعيمها أو إزالتها بشكل آمن، في ظل عدم توفر المعدات الثقيلة اللازمة، محذرين من أن استمرار الإهمال قد يحول هذا الخطر الصامت إلى فواجع إنسانية جديدة تضاف إلى سجل المعاناة اليومية لسكان القطاع.
ولا تعد هذه المباني حالات فردية أو استثنائية، إذ تنتشر المباني المتهالكة والآيلة للسقوط في مختلف مناطق قطاع غزة، خلفتها الحرب وأعمال القصف، لتتحول إلى تهديد دائم لحياة السكان الذين يضطر كثير منهم للسكن داخلها أو مجاورتها رغم إدراكهم حجم الخطر في ظل غياب البدائل وانعدام الحلول.
