أعمال برامز الأخيرة للبيانو... بين فاصلة ونقطة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أصدر عازفُ البيانو البولنديّ بيوتر أندرجيفسكي (Piotr Anderszewski)، البالغ من العمر ستةً وخمسين عاماً، ألبوماً يضمّ تسجيلاً لاثنتي عشرة مقطوعةً لآلة البيانو، من آثار المؤلّف الرومانسيّ الألمانيّ يوهانس برامز (1833 - 1897). وقد ارتبط اسم برامز بذروة اكتمال الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة بوصفها وسيطاً تعبيريّاً، بعد أن تبلورت أدواتها الفكريّة والفنيّة في العصر الرومانسي، وتطوّرت وسائل إنتاجها إلى حدٍّ جعلها الفنّ الناطق بروح القرن التاسع عشر الأوروبيّ، منذ منتصفه وحتى ربعه الأخير. تمثّل برامز في صباه بسمات عصره؛ إذ سعى، أسوةً بمُجايليه، إلى استثمار أقصى طاقات الأوركسترا الحديثة، بغية إبهار المستمع وإدهاشه. غير أنّ نزوعه ما لبث أن تغيّر مع تقدّم العمر، فراح يبتعد تدريجياً عن التكلّف والفخامة، متوغّلاً في العمق، مستكشفاً عوالمَ روحيّة وميتافيزيقيّة كانت قد حُجبت طويلاً بألق الأبواق النحاسيّة وترعيد الطبول كما في الأعمال السيمفونيّة المكتوبة للفرق الكبرى. في سياق هذا التحوّل الملازم لتقدّم الفنان في السنّ، تُسمَع أعمال برامز المتأخّرة بوصفها أنموذجاً موسيقيّاً لإمكانيّة تحوّل خريف العمر، إن رافقته سيرورة نضجٍ فكريٍّ وفنّيٍّ، إلى ربيعٍ آخر للحياة، لا يقلّ عن ربيعها الأوّل إبداعاً، بل قد يفوقه تأصّلاً وتأرّضاً. فحين يسود شعورٌ بالسكينة والرضا إزاء حصاد الأمس، وإن ظلّ ممزوجاً بخوفٍ من الموت وقلقٍ على مصير الإنسانيّة، تُقارب الموسيقى بوصفها أداةً استبطانيّةً تأمّليّةً. يتجلّى ذلك، خصوصاً، في المقطوعات القصيرة المكتوبة لبيانو منفرد. من بينها تبرز فاتحة الألبوم، المعنونة "فاصلة بينيّة" (Intermezzo)، وهي واحدة من أربع مقطوعات من المصنّف 119 على سلّم سي مينور. ولئن دلّ اسمها وظيفيّاً على كونها فقرة موسيقية تصلُ بين مقطوعتين أكبر حجماً وأعرض قالباً، فإن برامز كتبها لتُؤدّى مستقلّةً. وغايته من ذلك اعتماد قالبٍ مُقتضبٍ ومباشر، يُعبِّر بواسطته عمّا هو أقرب إلى الشعر منه إلى الخطابة، في بوحٍ ذاتيٍّ خافت، بعيدٍ عن الاستثارة والاستعراض. تُسمَع النوتات الأولى في مستهلّ المقطوعة كما لو أنّها آتية من جوف الكون، تبرق واحدةً إثر أخرى؛ أو كأنّها قطراتٌ تجمّعت على وريقاتٍ خضراء تُرى من خلف زجاج نافذة، وهي تهتزّ على وقع المطر. وعلى الرغم من الاقتصاد التشكيليّ، القائم على نغماتٍ منفردةٍ متفرّقة، يصوغها برامز ضمن نسقٍ لحنيٍّ يستدعي مصاحبةً هارمونيّةً، لا تلبث أن تنكشف تباعاً، كما لو أنّ صورةً باهتةً في المخيّلة تلملم عناصرها من الوعي. يعتمد الالتحام بين اللحن والهارموني على نسق الكونتربوان، وهو فنّ كتابة موسيقيّة يعود إلى العهود المبكرة من تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة، إذ تُكتب الجمل الموسيقيّة خطوطاً لحنيّةً تسير معاً، تارةً في تداخل وتارةً في تقابل، من دون تراتبيّةٍ يتصدّرها لحنٌ رئيس وتتبعه مرافقة. وتُفضي هذه السيرورة النغميّة إلى دفقٍ سرديٍّ، كأنّ المؤلّف يودّ أن يحكي، مُشيراً بالرموز إلى ما يعتمل في وجدانه، فلا نملك إلا أن نُصغي. وههنا تتجلّى ملكة الإيصال (Transmission)، أي نقل شحنةٍ عاطفيّةٍ أو حمولةٍ فكريّة، مع التسليم بلا نهائيّة تأويلاتها، إلى ذواتنا؛ وهي الملكة التي اعتبر الأديب ليو تولستوي حيازتها معياراً للفنّان الحقيقيّ. عند الثانية 59، وبعد عتبةٍ سُلّميّةٍ مُعلّقة، يتكثّف الدفق الكونترابنتي ويشتدّ، متّخذاً اتجاهاً تصاعديّاً ينسجم مع طبيعة الموسيقى الرومانسيّة، إذ تُستثمر الأدوات التعبيريّة الدراميّة، كالأوكتاڤ، حين يُعزف قرار النغمة وجوابها معاً، فيزداد التوتّر والارتفاع. ومع ذلك، يحافظ برامز على بنيانٍ هارمونيٍّ مرصوص، يتفادى الفصل بين اللحن والمصاحبة، فيغدو النسيج الصوتيّ أشبه بخملةٍ داكنةٍ دافئة. ثم ما تلبث هذه الذروة أن تخمد سريعاً، لتعود التأمّليّة الشعريّة، وتخفت تدريجياً على وقع النغمات المنفردة ذاتها، في عتمةٍ ميلانكوليّة. بالاستماع إلى "إنترمتزو" من المصنّف 116 على سلّم سي مينور، يتهيّأ للأذن أنّ ما يوحي به عنوانها، أي "الفاصلة الموسيقيّة"، هو الحياة ذاتها، وهي تمضي عابرةً مسرعة، فلا يعود بالإمكان سوى تأمّلها بأثرٍ رجعيٍّ، كأنها شريط سينمائيّ كثيف وقصير، لا تتجاوز مدّته أربع دقائق. كأنّ المقطوعة كبسولةٌ زمنيّةٌ لسيرة الفنّان وحضوره في العالم، تختزن خبراته وانطباعاته، ممّا راكمه وعيه عبر السنين مشاعرَ وأفكاراً وصوراً، فدوّنها نغماً على ورق. غير أنّ نضج برامز الفنّيّ والفكريّ يتجلّى في إرخاء قبضته على الزمن، ليس بوصفه ومضةً عابرة، بل عبر مدّ الأمد القصير للموسيقى بعامل الرويّة والتؤدة. فبدلاً من اللحاق العُصابيّ بالوقت أملاً في إدراكه، ينأى بنفسه عنه، ساعياً إلى الإقامة خارجه، فيُكسب الشكل المينيماليّ لمقطوعته، القائم على الكثافة والقصر، سعةً ورحابةً، يواجه بهما أي نزوعٍ صبيانيٍّ للتشبّث بما فات. تقوم هذه المفارقة بين تأمّلٍ يائسٍ للزمن وهو يمضي، والقبض عليه في يأسٍ أشدّ داخل كبسولة موسيقيّة مضغوطة بسعة أربع دقائق، على نحوٍ يُعدّ السمة الأبرز لعمليّة الخلق الفنّيّ المواكبة للشيخوخة، إن رافقتها سيرورة النضج ووعي بمآل التحوّل. وهو ما يجد صداه في ما وصفه المفكّر الفلسطينيّ إدوارد سعيد بـ"المصالحة بين ما لا يمكن المصالحة بينه"، وذلك في دراسته للأسلوب المتأخّر لدى الأدباء والموسيقيّين، التي جُمعت بعد رحيله في كتاب On Late Style الصادر سنة 2006. ولإتمام فعل الإيصال الفنّيّ بين المؤلّف والمستمع، يضطلع المؤدّي بدورٍ حيويٍّ، انطلاقاً من خياراته الفنّيّة، ولا سيّما ما يتّصل بسرعة الأداء. فبينما يقترن العزف السريع في أذهان العامّة بالحرفيّة والبراعة، تُدرك الخاصّة أنّ الإبطاء في العزف يتطلّب كفاءةً ومكانةً منقطعتَي النظير، ولا سيّما عند تقديم أعمال مؤلّفين متعدّدي الأبعاد، يتّسم إنتاجهم بالأفق الشعريّ والعمق الفكريّ. في هذا السياق، أسهمت قدرة أندرجيفسكي على التحكّم في مدّ الصوت الصادر عن مفاتيح البيانو، وبالطيف الواسع بين الخفوت والارتفاع، في تأكيد التؤدة والرويّة الكامنتين في "إنترمتزو" برامز، بمثابة أسلحة الإنسان الواعي في مواجهة يقين الفناء.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية