القيصر الأمريكي
دولي
منذ أسبوع
مشاركة

أثار سلوك وخطاب الرئيس ترامب في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، سويسرا، عاصفة من الإدانات والاستنكار من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا وكندا، الذين تعرضوا هم ومجتمعاتهم إلى الإهانات والاستخفاف من رئيس أمريكي قطع المحيط الأطلسي لينكر تضحياتهم إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وليطلب منهم إعطائه جزيرة غرينلاند، بحجة حماية أوروبا من خطر روسيا والصين، ولأنه يريد استغلال مواردها الطبيعية.  

بعد انتصاره العسكري الساحق في معركة "زيلا" قال يوليوس قيصر لمجلس الشيوخ الروماني جملته الشهيرة: "أتيتُ فرأيتُ فقهرتُ".

بعد أكثر من ألفي سنة، جاء دونالد ترامب الذي يتصرف وكأنه قيصر أميركي، إلى دافوس ليقول لحلفائه الذين يرفض معاملتهم كأطراف متساوية، لقد جئت، ورأيت مجتمعاتكم الضعيفة، التي لا تستطيع البقاء على قيد الحياة دون الولايات المتحدة، واريدكم ان تقبلوا بسيطرتي المطلقة على إقليم غرينلاند.

ولكن قادة القارة القديمة وكندا، على الرغم من إدراكهم لقدرة القيصر على معاقبتهم اقتصاديا وسياسيا، وقفوا في وجهه، ورفضوا تهديداته التي سبقت وصوله إلى دافوس.

واضطر ترامب إلى التخلي عن تهديده بقهر غرينلاند عسكريا، وإن بقي هذا السيف معلقا فوق مملكة الدانمارك التي تملك غرينلاند، وادعى أنه توصل مع حلف الناتو إلى إطار لاتفاق مبهم، يفترض أن يلبي مطالبه الطموحة.

خطاب ترامب في دافوس هو أغرب وأخطر خطاب يلقيه رئيس أميركي، ورث عن أسلافه أقوى حلف عسكري، حقق لأوروبا أطول فترة سلام في تاريخها.

ولم يتردد الرئيس الأميركي في انتقاد المجتمعات الأوروبية التي ادعى أن المهاجرين قد شوهوا حضارتها.

ولم يكتف بتوجيه الإهانات الشخصية للقادة الذين استمعوا إليه بوجوم وامتعاض، بل أبدى استخفافه بتضحياتهم العسكرية في حربي أفغانستان والعراق، حين ادعى في تضليل سافر، أن جنودهم بقوا وراء جبهات القتال.

جاء ترامب إلى دافوس، لا ليبني على مؤسسات النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة وحلفائها بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية، من الأمم المتحدة، إلى صندوق النقد الدولي، وإلى منظمة الصحة العالمية وغيرها،  بل ليقوض ويهدم هذه المؤسسات التي بناها أسلافه من رؤساء جمهوريين وديموقراطيين، استخدموها لتحويل الولايات المتحدة إلى قوة عظمى.

وخلال وجوده في دافوس، سعى الرئيس ترامب إلى تهميش ما بقي من نفوذ للأمم المتحدة، من خلال إنشاء "مجلس السلام العالمي" برئاسته، ليس فقط لتطبيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، بل لحل نزاعات وأزمات دولية أخرى.

والمفارقة هي أن ميثاق هذا المجلس لا يذكر غزة، بل يتحدث عن منظمة "تسعى إلى دعم الاستقرار، وفرض حكم القانون في المناطق التي تهددها النزاعات".

وكان ترامب المعروف بازدرائه  بالأمم المتحدة، "وبكلامها الفارغ" الذي " لا يحل أي حرب" على حد زعمه، قد قال قبل الإعلان عن المجلس، أن المجلس " يمكن" أن يكون بديلا للأمم المتحدة.

ولهذا السبب رفضت دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا المشاركة في المجلس.

وكان ترامب قد دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في المجلس، الذي يضم تركيا وهنغاريا والبحرين وكازاخستان، وكوسوفو وقطر وإسرائيل والمغرب والأرجنتين وباكستان وغيرها.

جاء القيصر الأميركي إلى دافوس، ليذكر حلفائه بجبروته، ولنقل الفوضى وتقويضه للمؤسسات الديموقراطية الأميركية إلى عالم جديد لم يعد يعرف فيه إذا بقيت الولايات المتحدة حليفا يمكن الاعتماد عليه، أم خصما يجب مواجهته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية