تدقيق حقائق
قراءة تحليلية في هندسة التضليل وتوظيف أدوات التحقق لطمس الحقائق.
تدّعي بعض المنصات الإعلامية أنّ لديها منهجية تدقيق المعلومات، بينما تمارس التضليل، علمًا بأنّ منصات تدقيق المعلومات "Fact-Checking" تُعدّ خط الدفاع الأخير عن الحقيقة للعمل الصحفي بكافة أشكاله. ولكن ماذا يحدث عندما تتحول هذه المنصات من "كاشفٍ للتضليل" إلى "صانعٍ له"؟ وماذا نُسمي التقرير الذي يظهر بعد 24 ساعة فقط من انكشاف فضيحة، ليرتدي ثوب الحياد المهني، بينما هدفه الحقيقي هو "غسيل سمعة" سياسي وتبرئة ساحة طرفٍ معيّن؟
شاهدنا تقريرًا على منصة "blinx" حول ملف السجون السرية في اليمن التي كشفها عضو المجلس الرئاسي اليمني سالم الخنبشي، التي كُشفت في مطار الريّان شرق اليمن، وقمنا بإجراء دراسة وتحليل حالة لكيفية توظيف أدوات التحقق لخدمة أجندة تهدف إلى تبرئة الدور الإماراتي، ويكشف التحليل عن حيلٍ تلاعبيةٍ مكشوفةٍ حوّلت المنهجية من أداةٍ لكشف الحقيقة إلى أداةٍ لـ"هندسة الحقيقة".
فخ "المحقق المحايد" وصناعة "رجل القش"
يبدأ التلاعب بتقمص منتج التقرير دور "المحقق المحايد" لكسب ثقة المشاهد، لكن الانكشاف المهني الحاد يظهر بوضوح عند تطبيق نظرية "مغالطة رجل القش"، أي صناعة وهم ضعيف للانتصار عليه وترك الحقيقة الدامغة.
في تاريخ 19 يناير كان الحدث الحقيقي هو مؤتمرًا صحفيًا لمحافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي، سالم الخنبشي، الذي كشف عن سجون سرية في المطار، تلاه تصريح مصور لوزير الإعلام، معمر الإرياني، من وسط مطار الريّان يستعرض فيه السجون والمتفجرات والأدوات التي استُخدمت في الاغتيالات.
هنا تكمن المفارقة؛ بدلًا من أن تُدقّق المنصة في هذه الأدلة الرسمية والصلبة التي نُشرت من متفجرات وسجون سرية، والتي تحدث عنها مسؤول رسمي بحجم عضو في مجلس القيادة الرئاسي، قامت المنصة بملاحقة تغريدات مجهولة نشرت صورًا مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعملت على تفنيد هذه الصور لتوصل للمشاهد رسالة مفادها أن الحديث عن وجود السجون يستند إلى صور مفبركة.
لقد اختاروا أضعف دليل متاح (صور الحسابات الوهمية) وأقل مشاهدة لسهولة تفنيده، وتجنبوا أقوى الأدلة (فيديو الوزير والمحافظ) لما يحمله من دلالة مباشرة عليهم. تُظهر عملية التقصّي أن الرسالة الضمنية تسعى إلى الإيحاء بانتفاء الاتهام الرئيس عبر تفنيد طرح جانبي مُنشأ انتقائيًا، مع إغفال التصريحات الرسمية الصادرة من داخل المطار.
وعند الانتقال للحديث عن مطار الريّان استخدم التقرير أسلوب "تشتيت المسؤولية"، إذ لم ينفِ التقرير العسكرة، بل قال: "كان فيها وجود عسكري للتحالف وقوات أخرى... فأي ادعاء يسري على الجميع".
يُظهر التقرير تناقضًا بين النفي الرسمي الإماراتي السابق وبين ما يتضمنه من إقرار غير مباشر بدور إماراتي جرى تعميمه على أطراف عدة بما يقلل من وضوح المسؤولية المرتبطة بالمواد المتفجرة وأدوات الاغتيال المذكورة في تصريحات وزير الإعلام.
لم يتوقف التضليل عند هذا الحد، بل وصل إلى التلاعب بالخط الزمني، إذ استشهد تقرير "blinx" بمحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، وفترة حكمه القديمة ليدفع بأن الاغتيالات سابقة للوجود الإماراتي، لكن كانت هذه مغالطة منطقية فادحة، فوجود اغتيالات في عهود سابقة لا ينفي وجود اغتيالات ممنهجة أو سجون سرية تم كشفها حديثًا. إن الاستناد إلى أحداث تاريخية قديمة لنفي وقائع حالية موثقة يُعد تشتيتًا للنقاش عن جوهر القضية، ومحاولة لتجنب معالجة الواقع الراهن وما يترتب عليه من استحقاقات.
حين يُدقق "المدقق" في الوهم
في مجال تدقيق المعلومات، تقوم القاعدة المنهجية على مناقشة أقوى الأدلة المتاحة لا أضعفها. غير أن منصة Blinx، التي تعلن التزامها بمنهجية التحقق، سلكت مسارًا مغايرًا؛ إذ تجاهلت تصريحات وزراء ومسؤولين، إضافة إلى مواد ميدانية موثقة بالفيديو، وركّزت بدلًا من ذلك على حسابات وهمية، بما يخدم تعزيز رواية تُبرّئ الجهة الممولة.
يُمثل هذا الأسلوب مسارًا مقلقًا للإعلام المنحاز، إذ يجري توظيف سمعة تدقيق المعلومات لتمرير روايات مضللة، ومحاولة إقصاء الرواية المدعومة بالوقائع عبر إعادة تأطير الحقائق وتفريغها من مضمونها تحت مسمى تدقيق المعلومات.