يُعد المتتدى الاقتصادي السنوي الذي انعقد أخيراً في دافوس أحد أهم الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في العالم، إذ تجتمع فيه النخب السياسية والمالية لتتبادل الرأي حول قضايا الساعة وأبرزها تطور اقتصاد العالم، غرينلاند وأوكرانيا والتوازنات العالمية.
اللافت في هذه النسخة من المنتدى هو هيمنة الاصطفاف السياسي والفرز العالمي من خلال خطابات أساسية لكل من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في هذا الإطار، حظي خطاب مارك كارني باهتمام كبير وبتغطية واسعة. وكان من أبرز الخطب السياسية التي ألقيت في تاريخ المنتدى، إذ أكد رئيس الوزراء الكندي أن العالم يشهد «قطيعة لا انتقالًا» مع النظام الدولي القائم على القواعد، غامزاً من قناة " الهيمنة الأميركية " وتداعياتها . ومن هنا دعا كارني الدول المتوسطة إلى التكاتف، وبناء نظام أكثر صمودًا في مواجهة الإكراه الاقتصادي والتصعيد الجيوسياسي.
وأتى هذا الخطاب في سياق تصاعد التوترات العالمية، ورغم عدم ذكره الرئيس دونالد ترامب بالاسم، فُهم الخطاب على نطاق واسع كرسالة مباشرة لسياسات واشنطن.
وهو ما ردّ عليه ترامب لاحقًا بتصريحات عاتب فيها كندا، وكانت العقوبة بسحب دعوته الموجهة إلى كارني للمشاركة في " مجلس السلام" الذي أعلن تأسيسه على هامش منتدى دافوس".
في سياق مماثل، اعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أننا ننتقل إلى عالم بدون قواعد، وأشار إلى أن الولايات المتحدة تريد إضعاف أوروبا. ولذا لا بد من المواجهة لمنع تهميش أوروبا، التي تتعرض كذلك لنزعات التوسع الروسي والتنافس الاقتصادي مع الصين.
في المقابل، خصص الرئيس دونالد ترمب خطابه الذي دام أكثر من ساعة، لشرح إنجازاته ولكي يهاجم منتقدي سياساته.
وخصص الكثير من الوقت لشرح وجهة نظره حول غرينلاند.
وعاد سيد البيت الأبيض إلى التاريخ كي يلوم أوروبا "ناكرة الجميل" التي تتباخل بقطعة جليد اسمها غرينلاند، على من أنقذها من براثن هتلر.
وفي ما يتعدى الخطاب، نجح ترامب وفريقه في انتهاز الفرصة لإطلاق " مجلس السلام " وإبرام اتفاق إطاري حول غرينلاند، وذلك حتى إشعار آخر، يعني أننا نعيش حقبة العودة إلى الإمبراطوريات، واندثار إنجازات النظام الحالي المحدودة.
في دورته الأولى التي تُعقد بدون مؤسسه كلاوس شواب، تميز المنتدى بطغيان القضايا السياسية، مما أدى إلى تهميش القضايا الاقتصادية والمناخية.
في الخلاصة، أكدت هذه النسخة من المنتدى على إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد. ومن الواضح أننا أمام عالم يتغير، وتزداد التساؤلات حول التعددية وأشكالها. لكن احتدام الصراعات يغلب على الانتقال السلس من مرحلة إلى اخرى.