الجزيرة تنهي مشروع تقسيم سورية
عربي
منذ 17 ساعة
مشاركة
حلبُ مركزُ ثقل سورية. منها انطلقت عمليَّتا إسقاط نظام الأسد (ديسمبر/ كانون الأول 2024) واسقاط مشروع فصل الجزيرة عن سورية (يناير/ كانون الثاني الحالي). وقد جاء ذلك وفق خطة استراتيجية على مرحلتَين، هدفها منع تقسيم سورية، أُديرت بنجاح كبير وتوقيت مدروس. ولولا العملية أخيراً ضد حزب العمّال الكردستاني، لظلّ توحيد سورية ناقصاً، ولأصبح التقسيم أمراً واقعاً. وتُعدّ محاولة هذا الحزب فصل الجزيرة هي الأخطر منذ الانتداب الفرنسي الذي فشل قبل نحو قرن في تقسيم سورية إلى دويلات. وقد أسقط السوريون هذا المشروع المُستورَد، مُسبَق الصنع، غير القابل للحياة في التربة السورية، على أبواب محافظة الحسكة. تعود اللعنة التي حلّت بالجزيرة السورية إلى زمن بعيد، عندما حوّلتها فرنسا إلى منفى لمعارضيها خلال الانتداب الذي دام قرابة 25 عاماً، وترافق بجملة من سياسات التمييز على مستوى التنمية والتعليم والصحّة وخدمات البنية التحتية، رغم أن المحافظات الثلاث التي تتشكّل منها الجزيرة (الرقّة ودير الزور والحسكة) تمثل نحو ثلث مساحة الدولة، وفيها أكثر من نصف ثرواتها. وبقيت سياسة التمييز ساريةَ المفعول تجاه الجزيرة، ولم تتغيّر خلال تعاقب الحكّام عليها، ما جعلها عرضةً للإهمالين، التنموي والإداري، وحتى على مستوى التنظيم الحضري وحماية الحدود. والسبب الرئيس أن منطق الدولة لم يصل بعد إلى تلك المناطق، فعُومِلت مصادرَ جبايةٍ ونهب ثروات، وهذا سلوك مارسه حكم آل الأسد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على حدّ سواء. وبالتالي، أول خطوة في تصحيح الوضع الشاذ هي التعامل مع الجزيرة من منظور الدولة، التي يكرّر الرئيس أحمد الشرع منذ وصوله إلى دمشق في 8 ديسمبر (2024) أن بناءها هو الأولوية، والمدخل لجعل سورية موحّدةً وقويةً ولكل مواطنيها. يتطلّب بناء دولة جديدة العدالة والمساواة ونبذ عقلية التمييز بين مواطني ومناطق البلد، بغض النظر عن الانتماءات الدينية والعرقية والثقافية والسياسية؛ لأن الدولة هي الخيمة التي يلتقي تحتها الجميع، والفضاء الذي يتّسع للآراء والمواقف كلّها ويديرها على نحو نافع وبنّاء، بما يفيد الصالح العام. وهذه مسألة لا يمكن أن تتم بقرار أو تصريح صحافي، وإنما تتطلّب وضع دستور واضح وصريح، تقرّه السلطة التشريعية، وتعمل به بقيّة مؤسّسات الدولة. لا يمكن للدولة الجديدة أن تنهض وتنمو وتستقرّ إلا إذا قامت على أسس ثلاثة: التنمية المتوازنة، والمواطنة المتساوية، والمساواة أمام القانون. ويقتضي ذلك سياسة تمييز إيجابي تجاه الجزيرة تمحو الآثار التي خلفتها مراحل التمييز السلبي. وهذا ممكن ببساطة شديدة إذا خُصّص جزءٌ من ثرواتها من أجل إعادة إعمار ما دمّرته حرب نظام الأسد، وإنشاء بنية تحتية حديثة توفّر شبكة طرق ومحطّات كهرباء ومياه ومدارس وجامعات ومستشفيات، ودعم قطاع الزراعة الذي تعرّض للاستنزاف والاستغلال الجائر، بما في ذلك بناء شراكات إقليمية لتوفير المياه اللازمة من أجل زراعة حديثة في منطقة تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة. تتعلق مسألة المواطنة المتساوية بحل المسألة الكردية داخل سورية، وهي ذات أوجه متعدّدة؛ منها التسوية القانونية لمن أسقطت عنهم الحكومات السابقة حقّ الجنسية، ومن ثم احترام خصوصية هذا الشعب وتراثه ولغته، وتحويل ذلك كلّه إلى نصوص دستورية تضمن للكرد ممارسة طقوسهم وفولكلورهم، وتدريس لغتهم في مدارس ضمن إطار المناهج الرسمية وبإشراف وزارة التربية والتعليم. والسبيل إلى ذلك دولة قانون تكفل وتحمي وتصون الحقوق، وتلعب دور الحَكم بين الحكّام والمواطنين بغض النظر عن مواقعهم أو خلفياتهم السياسية والثقافية. وهي في الوقت ذاته الضمان الفعلي لعدم الوقوع في الفساد، الذي هو أخطر فيروس يهدّد صحّة البلد والمجتمع معاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية