عربي
لا تتعلّق المسألة بـ"التخلّي عن الحلفاء" في قضية تراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عسكرياً إلى المناطق التاريخية للأكراد في سورية، بقدر ما ترتبط بعاملَين أساسيَّين. الأول: فهم أن مصطلحات مثل "التخلّي" أو "التحالف" بين بلدان وجماعات غير دولتية ليست ثابتة، ذلك أن مثل هذه الدول تأبى حتى التفاهم مع دول ضعيفة هيكلياً، فكيف بمجموعات انبثقت من ضعف دولة أو على هامشها؟ في قضية "قسد" لم يتخلّ الأميركيون عنها في السياقات المتداولة، بل الأدقّ أن الأميركيين دعموا "قسد" واستفادوا منها، كما استفادت منهم، من دون إدراك أن حجمها الديمغرافي لا يسمح بالسيطرة على سورية، ولو تحالفت مع مجموعات عربية. آخر إطباق لمجموعة ديمغرافية صغيرة على سورية أدّى إلى حرب استمرّت بين عامي 2011 و2024.
كما أن ما حصل عليه الأكراد في اتفاق 10 مارس (2025)، ولاحقاً باتفاق 18 يناير (2026)، لم يكونوا ليحصلوا عليه في زمن أي حكم منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946. وبطبيعة الحال، لا يعطي ذلك للحكّام الحاليين في دمشق الحق في استحقار الأكراد أو الاستخفاف بهم، لأن لا شيء يدوم في أيّ حكم سوى التسامح والتفاهم والمصالحة والمصارحة.
العامل الثاني متّصل بفهم معنى "المصالح"، النابعة بفعل تلاقي الطرق والأهداف. في السياسة لا أحد سيتحالف معك أو سيتخاصم معك لأسباب أيديولوجية دينية أو سياسية بشكل دائم، لأنك بذلك ستدفع أثماناً باهظة لافكار كهذه. أنت وكل من يتحالف معك تفكّرون بمنطق واحد: "ما الذي سأكسبه؟". وانطلاقاً من هذا المنطق، يمكن فهم كل شيء في المبادئ السياسية. هاجم الأميركيون الأوروبيين بشأن غرينلاند، رغم تحالفاتهم منذ الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918). منطق المصالح هنا ناجم فعلياً من مدى تأمين الأرباح بصورة مشتركة. اتفقا أخيراً على حل في الجزيرة الدنماركية وعادت الأمور إلى طبيعتها.
حصلت الولايات المتحدة، بين عامي 2011 و2024، على قوة بشرية ميدانياً في سورية، فيما تمدّدت هذه القوة في مناطق واسعة في شرق الفرات، أكبر ممّا كانت تحلم به في الأساس. لم تلتقط "قسد" اللحظة، ولم تنتبه إلى عدم تكرار أخطاء مجموعات وأشخاص عبر التاريخ اندفعوا وفق مشاعرهم ولاعقلانيتهم، خصوصاً أنهم مرّوا بذلك في حقبات عدّة بين إيران وسورية.
كما في سورية، كذلك في لبنان والعراق واليمن، وكل بقعة في الشرق الأوسط، هناك قطارٌ منطلقٌ متمحور حول "دعم الحكومات المركزية". بدأ الأميركيون تطبيق ذلك بحلفائهم، وسيتمدّدون نحو بيروت وبغداد وصنعاء. يكفي أن عبارات "سحب السلاح من الفصائل المسلحة" تتردّد في العراق ولبنان بشكل متزامن. وبينما يرفض عديدون من تلك الفصائل في البلدَين تسليم السلاح، يشتدّ الطوق عليها وعلى الدولتَين المعنيَّتَين، ما سيؤدّي إلى حلول أمنية قد يكون الحل السوري عادياً أمامها.
القضية هنا ليست متصلة بظلم وجور، بل بإدراك تحوّلات الزمن. ما الذي يمنع تلك الفصائل من تسليم سلاحها لسلطاتها الرسمية، خصوصاً أن الجنود المعنيين بحصر السلاح من عناصر المجموعات المسلحة غالباً ما يكونون أولاد قرية واحدة أو منطقة واحدة؟ ما الذي ستستفيد منه تلك الفصائل في التمسّك بسلاحها، وهي تعلم أنها ستخسره؟ هذه إيران، رغم كل ما يحصل فيها، تُبدي استعداداً للتفاوض مع الأميركيين. لبقاء نظامها ستفعل كل شيء، ولو اقتضى "التخلّي" عن حلفائها. البديل من ذلك حملة دموية تسعى إلى إبعادها عنها.
هل من العدل فرض الحلول الخارجية على مشكلات داخلية؟ بالطبع، لا. لكن حين تفقد أوراق قوتك في مواجهة الخارج من دون تأمين حياة سليمة لشعبك، فإن كل ما ستحصل عليه هو ضغوط خارجية. قوة أوروبا الاقتصادية والسياسية سمحت لها بالصمود أمام أميركا في موضوع غرينلاند. هل كان ينقصنا نحن العرب ذلك؟

أخبار ذات صلة.
مكتبة متنوعة في أدب الطفل
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة