عربي
ثمة خواءٌ ينمو في الداخل، يشبه ذاك الصمت الذي يلفّ شوارع باريس في لحظات الفجر الكاذب. خواءٌ مماثل لكيان الفراغ الأسمى، والذي اتفق الجميع على تسميته "حباً".
ليس من الغريب أنني لم أؤمن به يومًا، إذ لم يكن في نظري إلّا "وقودًا للأدب"، نحرقه في ليالينا الباردة لنؤثث به صفحاتنا البيضاء. نحنُ، كُتّاب الشتات والقلق، نحتاج إلى "دمدمة" الحبكات بالخيبات. نحتاج أن نصنع من الآخر استعارةً نختبئ خلفها، لكي لا يرى العالم عورتنا الوجودية، لكي لا نُفضَح، أو ربّما كي نُفضح أقل. فلولا الحب، لسقطت نصف روايات العالم، ولا نكشف الأدب بوصفه فعلَ تحايل على العبث.
ولأنني في حالة دوران مستمرة حول نفسي والوجود، لم أجد مؤنسًا لها بقدر شمس الدين التبريزي. حضرني ليس فقط درويشًا يعانق حلقات توهاني، ولكن أيضًا فيلسوفًا للعدم. لقد قال، أو قالوا بلسانه: "إنّ تعلّق الفاني بالفاني يفنيه، وتعلّق الفاني بالباقي يبقيه".
فإن جزمنا أن خسائرنا نتيجة التشبث بالفناء، لمَ يكون الحب إذًا بمنأى عن هذه القاعدة ومبررًا للحياة؟ البحث عن آخر، نصفًا كان أم ربعَ قدحٍ مكسورًا، أليس استعجالًا لمرآة الكشف عن شروخ الذات الأصلية؟
في كتاباتي، غالبًا ما أحاكم الواقع بمبضع جراحيّ. واليوم، أشرّح هذا "الحب الأفلاطوني" بعيدًا عن صوامع الرهبان. اليوم، أبحث عن عذرية تلائم الابتعاد عن أكاذيب التحرّر المعوجّ. فالعذرية التي أعنيها ما هي إلّا موقف سياسي ونسوي، بل الموقف الوحيد المقبول. فالنساء يهزمن في اللحظة التي يحققن فيها أهواء رجال جُبلوا على التملك، رجالٍ لا يدركون أن المرأة ليست مرفأً يسكنون إليه، بل محيطٌ من التناقضات.
قادة العالم هم المثل، زيف "حرم" المهرّج البرتقالي هو التحذير الأبلغ، تاريخ استباحة السبايا، وأدب أوصاف التمنّع والرغبة هي نواقيس الخطر التي ما فتئت تدقّ لعقود من الزمن. لهذا، فالفوز الحقيقي للمرأة في هذا العصر الذي سُحلت نسويته في أروقة من أنصاف النتائج، وذعر دائم من الأفعال الرجعية، يكمن في إبقاء أهوائها "بكرًا". بكرًا في منطقة تحرّم الصدق لا اللمس، وأيادٍ لا تجيد المباركة بل التدنيس.
المرأة التي ترفض أن تقدّم روحها على طبق من رغبة، هي امرأة تختار "السيادة" على "السكن". والمرأة التي تنأى بعذريتها ليست خاضعة، بل فهمت عقوق الحرية بلا تثقيف. فإن بقاء الهوى في حيّز العفة، في "صوفية باردة"، هو الضمانة الوحيدة لعدم الانكسار.
لماذا منح مفاتيح الحصون الداخلية لمن سيحوّلها لا محالة إلى مجرد روتين منزلي أو واجبات عاطفية مملة، في حين أن من الأجدر امتلاك كل شيء بمرونة الابتعاد؟
ستفوز النساء حتمًا، وسيصبحن أكثر سطوعًا في الغياب، إذا ما جعلن من الحب "فكرة" لا جسدًا. "عذراء هي الحصون الأخيرة للذات النسوية أمام طغيان المادة، وفوز القوة العقيم".
نحن نعيش في زمن يبيع كل شيء، يبيع نفسه أيضاً كي يصنعها. لذا، يحضر الهرب إلى الصوفية، علّ "الباقي" يبقينا على قيد المعاني المفقودة. أن يكون الحب صوفياً يعني أن يكون متعاليًا، أن يكون "نقصًا" يملأ الوجود، لا "حضورًا" يضيّق الخناق. إن الحب العذري هو قمة التجرد النسوي؛ هو أن تحبي "الماهية" التي خلقتِها في خيالك، بعيدًا عن ثقل الواقع وقسوة التوقعات.
أنا لا أبحث عن حبيب يشاركني قهوتي المرّة. في الواقع، لا أبحث عن أحد. إلا أنني أحترق لرؤية من بحثن وخُذلن. فالحب الذي لا يرفعنا عن الأرض، الحب الذي لا يجعلنا نلامس تخوم الفناء، هو محض ضجيج بيولوجي زائد عن الحاجة، لا قيمة له.
نحن في حاجة إلى هذا الوقود لكي تستمر قصائدنا، لكي نكتب عن المسافات التي لا تُطوى، وعن الرسائل التي لا تصل. إن الأدب يعيش على "اللا-وصول"، لا الوصال.
من هنا، أكتب عن هذا الانفصال الأسمى؛ بأن تعشق المستحيل لكي تظل حرًّا. فالمشاعر حين تُبذل لغير مستحقها تصبح دينًا ثقيلًا، أما حين تظل معلقة في برزخ الخيال، فإنها تتحول إلى دين أبدي.
ستفوز النساء قطعًا حين يدركن أن خيالهن أرحب من أي رجل، وأن عذرية الروح هي الملاذ الوحيد المتبقي في عالم يحاول تدمير كل شيء. نحن لسنا في حاجة إلى قبلات تنهي دهشتنا، بل إلى دهشة تظل يقظة في غياب القبلة. نحن في حاجة إلى أن نكون "شمسًا" لأنفسنا، نحرق كتب تعلقنا بالآخرين، ونلقي بيقيننا في ماء الشك الوجودي.
في النهاية، لا يبقى لنا سوى الكلمات. والكلمات لا تولد إلّا من رحم الوضوح المرّ. والوضوح يخبرني أن أي تجربة لا تذيب الذات في المطلق، ولا ترفع الروح إلى أعالي التجريد، هي مجرد وهم إضافي، وأنّ أَلِف الهوى الحرّ الطليق خُلقت لتحلّق، لا كي تُكسَر وتُقصّر تماشيًا مع حب "أليف" كانت أولى لغاته… انصياع.
من أجل ذلك، ومن أجل أن ننجو من ابتذال الواقع، ومن أجل أن يظل الأدب ممكنًا، ومن أجل أن تستقيم أَلِف الهوى.
فلنعترف أنه ليُوجد الحبّ في هذا السكون، إمّا أن يكون صوفيًّا وإما أن لا يكون.
أخبار ذات صلة.
يايسله: حسين عبد الغني «أسطورة»
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة