متحف الفضاء في موسكو... بانوراما تؤرّخ الملاحة الكونية
عربي
منذ يوم
مشاركة
على بُعد محطات من وسط العاصمة الروسية موسكو، يقف نُصب "غزاة الفضاء"، وهو نُصبٌ لافتٌ للأنظار يعتليه صاروخ يبدو كأنّه ذيلٌ له. يقع أسفل النُّصب "متحف الفضاء" الذي يُطلع روّاده من الصغار والكبار على أبرز المحطات في تاريخ استكشاف الفضاء، والرحلات الأوتوماتيكية والمأهولة، وإنجازات الاتحاد السوفييتي ووريثته روسيا، وغيرها من الدول في هذا المجال. يُعتبر "متحف الفضاء" الواقع على بُعد أمتار من معرض إنجازات الاقتصاد الوطني في موسكو، واحداً من أكبر المتاحف المتخصصة في تاريخ العلوم على مستوى العالم، ويعود تاريخه إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 1964، حين أُقيم في موقعه الحالي نُصب "غزاة الفضاء" المصنوع من التيتانيوم والبالغ طوله 110 أمتار، ما شكل رمزاً للنقلة التكنولوجية في ذلك العصر الذي شهد بدوره إطلاق أولى المركبات الأوتوماتيكية والمأهولة إلى الفضاء. من الناحية المعمارية، ينتمي نُصب "غزاة الفضاء" إلى الحداثة السوفييتية. حينها أصبح الفضاء الكوني أقرب إلى الإنسان مقارنة مع أي وقت مضى، وفتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة نحو التنمية، كما رفعت النجاحات في مجال الفضاء من معنويات سكان الاتحاد السوفييتي، بعد رحلة أول رائد فضاء سوفييتي يوري غاغارين إلى المدار على متن مركبة فوستوك-1 (شرق-1) في عام 1961، ليسبق الاتحاد السوفييتي بذلك الولايات المتحدة الأميركية في تنفيذ أول رحلة مأهولة إلى الفضاء. وفي إبريل/ نيسان 1981، بمناسبة ذكرى مرور 20 عاماً على رحلة غاغارين، افتُتح أسفل النُّصب "متحف الفضاء" الذي يتضمّن قطعاً ومعروضات تقدّم بانوراما لإنجازات قطاع الفضاء السوفييتي والعالمي منذ بداياته، مثل أولى البدلات الفضائية، ومجسّدات الأقمار الصناعية، وأجهزة سبر القمر وكواكب المنظومة الشمسية. في عام 2009، أُعيد افتتاح المتحف بعد ترميمه وتوسيع مساحته بمقدار أربعة أضعاف، حتى بات يضمّ اليوم ثماني قاعات تحتوي قطعاً متحفية، وقاعة للعرض السينمائي، وأخرى للمؤتمرات، بينما تزيد مقتنيات المتحف عن 100 ألف قطعة تُعرّف الروّاد بتاريخ الملاحة الكونية منذ أولى الرحلات الأوتوماتيكية والمأهولة، وحتى اليوم. يعتبر الكاتب والصحافي العلمي الروسي، الباحث في تاريخ الفضاء، أنطون بيرفوشين، أنّ متحف الفضاء يؤدي دوراً مهمّاً في توعية روّاده بتاريخ الملاحة الكونية السوفييتية والروسية التي تشكل موضع فخر لأجيال متتابعة من الروس، مشيراً إلى أن تقاطع الماضي والحاضر داخل المتحف يتيح للزوّار غير المتخصصين تكوين صورة عامة حول تاريخ استكشاف الفضاء، وإنجازات الاتحاد السوفييتي وروسيا، ما يلعب دوراً محوريّاً في زيادة شعبية الفضاء. ويضيف بيرفوشين لـ"العربي الجديد": "متحف الفضاء في موسكو هو أكبر وأشهر متحف روسي متخصص في الملاحة الكونية، ولعلّ الأهم أنه يجسد تقاطعاً لماضي استكشاف الفضاء وحاضره". وحول الريادة في مجال الفضاء ومكانة غاغارين في وعي الروس، يقول الباحث الروسي: "لا يزال غاغارين يشغل مكانة بارزة في ثقافة روسيا المعاصرة وأيديولوجيتها، بصفته بطلاً شعبيّاً قطع مسيرة حافلة نقلته من شابٍ بسيط إلى أحد أشهر الشخصيات العالمية، مُزاحماً رؤساء الدول ونجوم الفن". ومن بين القطع المعروضة في قاعات المتحف يمكن رؤية مجسدات لمختلف المركبات الفضائية الأوتوماتيكية والمأهولة، بما فيها المكوك الفضائي السوفييتي "بوران"، ومجسّد لمحطة الفضاء السوفييتية والروسية "مير" التي ظلت في المدار الأرضي منذ عام 1986 وحتى عام 2001. كما يمكن لروّاد المتحف دخول المجسّد لاستكشافه من الداخل. ويضمّ المتحف عدداً من المركبات الفضائية الحقيقية العائدة إلى الأرض وعلى متنها آثار الاحتراق، نتيجة مرورها عبر الطبقات الكثيفة من الغلاف الجوي أثناء عملية الهبوط. وفي ركن إحدى القاعات، يمكن الاطلاع على نموذج يحاكي مركز إدارة التحليقات الكائن في مدينة كوروليوف، الواقعة على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي موسكو، ونموذج لكرة أرضية يُظهر مواقع بعض الأقمار الصناعية على المدار. ومن بين القطع الطريفة التي يمكن رؤيتها في المتحف، معلبات وأدوات لتناول الطعام الذي قد لا يكون مهمة سهلة في ظروف اللاجاذبية. تاريخياً، ترتبط المنطقة المحيطة بمعرض إنجازات الاقتصاد الوطني بالفضاء، إذ يقع على بُعد أمتار من المتحف، المنزل المتحفي للمُشرف على برنامج الفضاء السوفييتي، سيرغي كوروليوف، الذي أهدته الحكومة السوفييتية له، بمناسبة إطلاق أول قمر صناعي "سبوتنيك" إلى الفضاء في عام 1957. وأقام كوروليوف في هذا المنزل ما بين عامَي 1959 و1966، وثابر خلال تلك الفترة على عدد من المشاريع، بما فيها تصميم مركبات فضائية، والإعداد لأول رحلة مأهولة إلى الفضاء. وفي المنطقة ذاتها، يقع فندق كوزموس الشهير منذ الحقبة السوفييتية، وتعني تسميته باللغة الروسية "فضاء". ويُعلق بيرفوشين على ارتباط المنطقة بالفضاء، قائلاً: "بعد مرور ثلاث سنوات على إقامة نُصب غزاة الفضاء، أُقيمت في محيطه حديقة ضمّت ممشى أبطال الفضاء. وفي عام 1967، خُصّص للفضاء نصف جناح صناعة الآلات بمعرض إنجازات الاقتصاد الوطني، وقد عُرضت به نماذج بالحجم الحقيقي للأقمار الاصطناعية وجهاز الهبوط فوستوك، ولا يزال يحتضن جناحاً خاصاً بالطيران والفضاء حتى اليوم". ويخلص إلى أن السائح الذي يتجوّل في محيط معرض إنجازات الاقتصاد الوطني يمكنه كذلك القيام بجولة تشمل متحف الفضاء، والمنزل المتحفي لكوروليوف، وجناح الفضاء، ما يتيح له التعمّق بمعرفة الفضاء أكثر ممّا عرف عن هذا المجال طيلة حياته. يُذكر أن معرض إنجازات الاقتصاد الوطني يُعدّ واحداً من أبرز رموز موسكو منذ الحقبة السوفييتية، باحتضانه مختلف المعارض والأجنحة المتخصّصة والمنشآت الترفيهية. ويعود تاريخه إلى عام 1954 حين أُنشئت مبانيه ورموزه الأساسية، وفي عام 2024، زار أكثر من أربعة ملايين شخص مجمّع المعارض.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية