عربي
كشفت الفيضانات الأخيرة في تونس حجم هشاشة البنية التحتية والتشققات التي تعاني منها المدارس والمعاهد، ما يهدد صحة التلاميذ والمعلمين، وينذر بالأسوأ في حال لم تُطبّق إصلاحات عاجلة بحسب معنيين بالملف.
تعاني مدارس ومعاهد عدة في تونس من هشاشة البنية التحتية وتشقق الجدران، ما جعلها غير قادرة على الصمود أمام الفيضانات والسيول التي شهدتها البلاد هذا الأسبوع، والتي ألحقت الأضرار بالعديد منها، خصوصاً تلك القريبة من السواحل. وبينما جرى استئناف الدروس في بعض الولايات (المحافظات)، فإنّ الدراسة لا تزال معطلة في ولايات أخرى، ولا سيّما أن عشرات المدارس لا تزال غارقة بالمياه الراكدة، ولا تزال أقسامها وباحاتها غير صالحة لاستقبال التلاميذ.
وفي السياق، قرّر والي تونس عماد بوخريص مواصلة تعليق الدروس في المدرسة الابتدائية بالبحر الأزرق 1، والمدرسة الإعدادية سيدي عمر الكرم الغربي، والمدرسة الابتدائية الطيب المهيري العوينة، والمدرسة الابتدائية بحي العمارات العوينة، على أن يتم استئناف الدروس في باقي المؤسسات التربوية والتكوينية والجامعية في القطاعين العام والخاص.
ويُبدي المواطن وليد المسعودي قلقه إزاء عودة طفله إلى المدرسة الواقعة في نهج القيروان بولاية بن عروس شمال شرقي البلاد، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أنه جرى شفط المياه من ساحة المدرسة، ولكن العديد من الأقسام لا يزال غير جاهز لاستقبال التلاميذ، ويسأل: "كيف سيدرس الأطفال في مثل هذه الظروف، وبأي نفسية سيواكبون العملية التعليمية".
كذلك، تعاني مدارس عدة في ولاية القصرين وسط غربي البلاد، من تشققات في الجدران وهشاشة في الأسقف وبنية تحتية سيئة جداً، ومن بينها مدرسة في حي الميمون. ويؤكد فتحي، وهو أحد سكان الحي، أن المدارس الريفية بمعظمها تعاني من واقع صعب وجدران متشققة، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الوصول إليها يشكل معاناة للتلاميذ والأولياء في فصل الشتاء، إلى جانب تجمع المياه في الساحات. بدورها، شهدت المدرسة الإعدادية الحبيب الحداد بولاية بنزرت شمالي البلاد، سقوط شجرة وسط الساحة بسبب الرياح القوية، وشهد محيط معهد باش حامبة بنزرت انهيار جزء من الجدار الخارجي، بسبب الفيضانات.
وأعرب عدد من أولياء الأمور عن حجم الخوف الذي كان سينتابهم بشأن مصير أطفالهم، لو كانوا موجودين في ساحات المدرسة عند حصول هذه الأضرار، مؤكدين أن الفيضانات كشفت مدى تدهور البنية التحتية في مدارس تونس وأنّه من حسن حظهم أن الدروس عُلّقت، وإلا لكانت حصلت كارثة.
ويقول رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ، رضا الزهروني، لـ"العربي الجديد" إنّ المياه غمرت معهد محمد بوذينة بالحمامات، حيث لا تزال الساحة مليئة بالمياه، وصارت أشبه ببحيرة، ما يعرقل عملية التدريس في الوقت الراهن، مؤكداً تضرر عشرات المدارس والمعاهد من جراء الفيضانات، حالها حال البنية التحتية التي لا تستوعب كميات الأمطار الغزيرة.
ويضيف: "بسبب الفيضانات الأخيرة، اضطرّ أغلب المحافظين إلى توقيف الدروس، حفاظاً على سلامة التلاميذ والإطار التربوي، مع العلم أن هذا الانقطاع سيؤثر حتماً على البرنامج الدراسي. وفي حين يجري حالياً تنظيف مدارس ومعاهد عديدة وشفط المياه منها، غير أنّ المياه لا تزال متجمّعة في العديد من المؤسسات التربوية، مع غياب قنوات التصريف، وهو ما يكشف إشكاليات عدة، وواقعاً كارثياً في بعض الأقسام الدراسية، ما يؤثر على سلامة التلاميذ".
ويؤكد الزهروني أن "واقع المدارس بمعظمها صعبٌ، فهي لم تصمد أمام الفيضانات، ولا يمكنها مجابهة الكوارث الطبيعية، كونها تعاني من هشاشة البنية التحتية، كما أن العديد من هذه المدارس قديم البناء، ويحتاج إلى الصيانة والتجهيزات اللازمة. وهذا الأمر لا يجب أن يقتصر على الحدث اللحظي، أي عند انهيار سقف أو جدار أو سقوط شجرة، بل يجب التحرك وتطبيق الإصلاحات الضرورية، وتضافر الجهود، من أجل تحسين واقع المدارس في البلاد".
ويشدّد الزهروني على "أهمية تعامل المسؤولين مع الواقع الحالي بكل جدية"، مؤكداً أن وضع المدارس غير منعزل عن المحيط الخارجي الذي تضرر كذلك بفعل الفيضانات، سواء الطرق أو المنازل والأحياء السكنية. ويتابع: "لا توجد إحصائيات رسمية حول الأضرار التي طاولت المدارس والمعاهد، لكن تنظيف الأقسام والساحات المتضررة قد يحتاج إلى بعض الوقت".
وبحسب تقرير المرصد التونسي للاقتصاد بتاريخ 12 مايو/ أيار 2025، فإنّ بيانات السنة الدراسية 2023-2024 حول تدهور البنية التحتية في المدارس الابتدائية العمومية، أظهرت أنّه من مجموع 4.577 مدرسة، تفتقر 1354 مدرسة إلى المياه الصالحة للشرب، وتعاني 996 مدرسة من نقص في التسييج، ما يعرّض سلامة التلاميذ للخطر. كما أن 839 مدرسة لا تحتوي على مجموعات صحية للمعلمين، فضلاً عن عدم توفر بيوت التمريض سوى في 5% من جملة المدارس العمومية، الأمر الذي يخلق أزمة في توفير الرعاية الصحية اللازمة للتلاميذ.
ونبّه المرصد إلى أنّ الوضع المتدهور للبنية التحتية في المدارس الابتدائية يهدد صحة التلاميذ والمعلمين، إذ كثرت في ولاية القصرين عام 2017 حالات الإصابة بمرض التهاب الكبد الفيروسي "أ" في صفوف التلاميذ، وذلك في المدارس الريفية التي تفتقر إلى المياه الصالحة للشرب، وتشكو من تقادم وعدم صلاحية مجموعاتها الصحية، ومن غياب الشروط الضرورية للنظافة.
