اليقظة الاستراتيجية العربية: بداية فرملة؟
عربي
منذ 21 ساعة
مشاركة
بنهاية سنة 2025 وبداية العام الجديد، يبدو أنه وصل السيل الزبى لدى معظم الدول العربية من نزق ترامب ونتنياهو للهيمنة وفرض "العصر الإسرائيلي" على الإقليم. وقد شكل اجتياح قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لمحافظتَي المهرة وحضرموت، تمهيداً لانفصال جنوب اليمن واستتباعه لاتفاقيات "أبراهام"، بالتوازي مع اعتراف "إسرائيل" باستقلال "أرض الصومال" عن الصومال، نقطة مفصلية في اليقظة الاستراتيجية العربية. ويأتي ذلك بعد أن أوغلت "إسرائيل"، بالتعاون مع حلفائها الإقليميين (ومنهم عرب) وأحياناً من خلالهم، في سياستها القائمة على محاولة تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية متناحرة من أجل توسيع نفوذها الإقليمي: في سورية (من خلال دعم المشروع الانفصالي للشيخ الهجري في الجنوب، والمشروع الانفصالي لـ "قسد" في الشمال الشرقي، والمشروع الانفصالي العلوي في الساحل)، والسودان (من خلال دعم مليشيات الدعم السريع ومشروعها الانفصالي في دارفور وكردفان)، وليبيا (من خلال دعم قوات خليفة حفتر بوجه الحكومة الليبية المعترف بها دولياً)، وحتى في الجزائر (مع مساعٍ إسرائيلية للاعتراف باستقلال منطقة القبائل). وقد بدأ العرب، بمعظمهم، ما يمكن ربما تسميته بهجومهم الاستراتيجي المضاد بوجه الدينامية التفتيتية للمنطقة، ولكبح الغطرسة الإسرائيلية الأميركية. وهو أمر يندرج، على نحوٍ أوسع، ضمن إرهاصات تشكّل مقاومة لنزق الغطرسة الترامبية، ليس في الداخل الأميركي فحسب (المقاومة المدنية الأميركية للفاشية المليشيوية المتمثلة بالترهيب الذي تقوم به قوات هيئة الهجرة والجمارك الأميركية بهدف "ترويض" المدن والولايات غير الموالية لترامب)، بل في العالم، ولا سيّما بوجه ركيزة أساسية أخرى للفاشية في الترامبية، ألا وهي التوسعية: مثل كندا التي انفتحت على الصين من خلال خطوة دراماتيكية تاريخية؛ والاتحاد الأوروبي الذي يبحث في تفعيل "البازوكا التجارية" لمكافحة الإكراه، بعد الرسوم المفروضة من ترامب على دول أوروبية عبرت بوضوح عن رفضها مشروع ترامب ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة. بالعودة إلى الهجوم الاستراتيجي العربي المضاد، فقد تجسّد عبر إفشال سعودي ساحق لمحاولة السيطرة على حضرموت والمهرة، وانهيار، بظرف أقل من أسبوع، المشروع المتصل الذي جرى بناؤه خلال عقد من الزمن؛ وإلغاء الصومال لكل الاتفاقيات مع الإمارات؛ وتحرك حاسم ومدروس (بالاختلاف مع ما حصل خلال السنة المنصرمة في الساحل السوري وفي السويداء) لقوات الجيش السوري ضد "قسد" في حلب وريف الرقة، ما أدى إلى انهيار "قسد" في مناطق عدة واستسلام عدد معتبر من مقاتليها، وذلك بالتوازي مع صدور مرسوم رئاسي سوري يعترف بحقوق الكرد؛ وقيام سلاح الجو المصري بتدمير، في منطقة المثلث الحدودي (الليبي/ المصري/ السوداني)، قافلة تحمل مساعدات عسكرية من ليبيا (حفتر) إلى الدعم السريع في السودان، في رسالة بالغة المعاني، وذلك قبل يومين من زيارة نائب قائد قوات شرق ليبيا صدام حفتر إلى القاهرة، ولقائه وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر. ولعلّ ذروة الوعي الاستراتيجي العربي بالمخاطر المحدقة بالمنطقة من جرّاء نزق ترامب ونتنياهو، قد تجلّت بالجهود الدبلوماسية القطرية السعودية العُمانية لعقلنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وثنيه عن التدخل عسكرياً وتوجيه ضربة عسكرية قاسمة للنظام الإيراني المتهالك، بذريعة الاحتجاجات الكبيرة والمشروعة ضده. فمنذ عقود، تعاني المنطقة العربية، ولا سيّما دول الخليج العربية، الأمرّين من التهديد الذي يشكله النظام الإيراني، ولا سيّما بسبب سياسته التوسعية في "تصدير الثورة" عبر أذرعه المسلحة. ولكن، بالمقابل، القلق الذي تستشعره معظم دول الخليج من ضربة أميركية للنظام الإيراني لا يقل حجماً عن القلق من جراء التهديد الذي يشكله عليها هذا النظام. على المدى القصير، تتخوّف معظم دول الخليج من الرد الإيراني المحتمل على أي ضربة أميركية، ولا سيّما عبر استهداف القواعد الأميركية على أراضيها. وعلى المدى المتوسط، تتخوف هذه الدول من حالة عدم الاستقرار والفوضى التي ستنتج غالباً عن انهيار النظام الإيراني، فتصبح إيران دولة فاشلة مصدّرة للاجئين، والمخدرات والسلاح والإرهاب، بمستويات تفوق المستويات الحالية بأشواط. أما على المدى الأطول، فتتخوف هذه الدول العربية من الصراعات الإثنية داخل إيران (بنسيجها المتنوّع وسكانها الـ 85 مليوناً) التي يمكن أن تنتج عن انهيار النظام، ومن تفتيت إيران إلى دويلات بما يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية في تفتيت المنطقة إلى كيانات متناحرة من أجل توسيع نفوذها، ما يتعارض مع سياسة معظم دول الخليج الطامحة لمنطقة مستقرة منخفضة المخاطر لجذب الاستثمار وتحقيق الازدهار. فضلاً عمّا تقدّم، تتخوف هذه الدول العربية من أن يكون البديل عن النظام الإيراني نظاماً دمية (بهلوي الابن) بيد أميركا وإسرائيل بهدف السيطرة على النفط الإيراني (بعد نفط فنزويلا) وعلى مضيق هرمز، ما يضعف من أهمية دول الخليج العربية بالنسبة لأميركا ومن حاجة الأخيرة إليها من أجل سياستها في المنطقة، وما يمكن أن ينتج عنه من مخاطر بما يتعلق بمستقبل هذه الدول. اليوم، يبدو أنّ ما يهم دول الخليج -أقله معظمها- تغيير سلوك النظام الإيراني تجاهها وتجاه الإقليم، وليس إسقاطه. وهي تتقاطع في ذلك مع ما يقول به جزء معتبر من الشخصيات الإيرانية المعارضة، من بينها الحائزة على جائزة نوبل للسلام، نرجس محمدي، المعتقلة في إيران، والمخرج السينمائي جعفر بناهي، حول ضرورة أن يكون التغيير سلمياً، وأن ينبع من داخل إيران، أي دون تدخل عسكري من الخارج. بالمحصلة، اليوم، يبدو أنّ إيران الملالي هي "الرجل المريض" في الشرق الأوسط، وأنّ هناك "معسكرين" إقليميين يحاول كل منهما تأخير موت "الرجل المريض" ريثما تصبح الظروف مؤاتية له كي يستطيع وراثة الهيمنة المتهالكة لهذا الرجل المريض على المنطقة بدل المعسكر الآخر، أو أقله كي يحدّ من حجم الحصة التي ستؤول للمعسكر الآخر من التركة (الهيمنة)، محاولاً بذلك تقليل الخسائر. وبذلك، يكون التعويل الأساسي، في منطقتنا، على الثلاثي الخليجي (السعودية، قطر، عُمان)، فضلاً عن مصر، باعتبار هذه الدول صمّام أمان العرب بوجه نزق ترامب وإسرائيل ومشاريع الهيمنة واستتباع المنطقة وفرض العصر الإسرائيلي عليها: فهذه الدول العربية ترى، بواقعية، المشهد كاملاً دون اجتزاء، بكل قواه، وبتوازناته، وترى مخاطر الانهيار السريع للتوازن (الهش)، وما يمكن أن ينتج عنه من فراغ غالباً لن يجري ملؤه بما تشتهيه سفن الدول العربية، بل بما تشتهيه سفن "إسرائيل". إن جازت مقارنة أخرى، اليوم، وبعد ما يمكن اعتباره هزيمة للمحور الإيراني في أعقاب حروب العامين الماضيَين، يبدو أنّنا في مرحلة شبيهة بتلك التي تلت، في أوروبا، نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ انتقلت أوروبا (والعالم) مباشرة من مواجهة بين الحلفاء والمحور، إلى مواجهة بين أعداء المحور الذي هُزِم، للهيمنة على أوروبا (والعالم).

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية