مسارات رشادية
حزبي
منذ أسبوعين
مشاركة

بقلم / مازن حكمي
لا تُقاس حيوية القوى السياسية بضجيج شعاراتها، أو بقدرتها على الحشد التعبوي، أو حتى بمشاركتها في السلطة فحسب، بل بمدى امتلاكها لـ«عقل الدولة» في لحظات الانهيار. وفي المشهد اليمني المعقّد، تبرز تجربة حزب الرشاد كنموذج استثنائي استطاع اجتياز حقول الألغام السياسية بمرونة نادرة، محولًا خطابه إلى ممارسة وطنية واقعية، ومنحازًا لمنطق المؤسسة في مواجهة منطق المليشيا.
يمكن قراءة هذه التجربة من خلال ثلاثة مسارات جوهرية رسمت ملامح الحزب في قلب العاصفة:
المسار الأول: الشرعية والمؤسسية
لم يكن ظهور حزب الرشاد في المشهد اليمني ترفًا سياسيًا، بل ضرورة فرضها الفراغ المؤسسي والاستقطاب الحاد الذي كاد أن يعصف بكيان الدولة. وفي توقيت اتجهت فيه بعض القوى نحو «غريزة الصراع»، اختار الرشاد التموضع الواعي في خندق «الشرعية الدستورية».
وقد أدركت قيادة الحزب مبكرًا أن الدولة هي الضامن الوحيد للحقوق والحريات، وأن أي بديل عنها ليس سوى الفوضى. ولم يكن هذا الانحياز تكتيكيًا أو ظرفيًا، بل نابعًا من رؤية عميقة ترى في الدولة كيانًا جامعًا يتجاوز الانتماءات الفرعية، ويؤسس لعمل سياسي مدني متزن.
المسار الثاني: الخطاب المتوازن في زمن الكراهية
بينما كانت أدوات الدعاية السياسية تضخ خطابات التخوين والإقصاء، حافظ الرشاد على نبرة هادئة اتسمت بالاتزان والمسؤولية، جامعًا بين الثبات على المرجعية القيمية والانفتاح على الشركاء الوطنيين.
وقد واجه الحزب تحديات الانقلاب الحوثي وما تلاه من تمردات بوضوح أخلاقي وسياسي، رافضًا الانجرار إلى مربعات «العنف المضاد» خارج إطار الدولة، رغم ما قدّمه من تضحيات جسيمة في الدفاع عن الوطن والجمهورية. وتكمن فرادة خطاب الرشاد في كونه خطابًا غير صدامي، يسعى إلى ترميم التصدعات في النسيج الاجتماعي لا تعميقها، مؤمنًا بأن السياسة هي فن البحث عن المشتركات لا الاستثمار في التناقضات.
المسار الثالث: الزهد السلطوي والمبدأ الوطني
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في مسار حزب الرشاد هو مفارقته للنمط التقليدي للأحزاب التي تلهث خلف المحاصصة والمناصب. فرغم الحضور الوازن والتضحيات الكبيرة التي قدمتها قواعده وقياداته، ظل الحزب بعيدًا عن الصراع على المكاسب الحكومية الضيقة.
وقد جسّدت كوادره في مختلف المواقع أسمى صور الوطنية والإخلاص، والنزاهة، وحب الوطن، والبذل دون انتظار مقابل. ويعكس هذا المسار إدراكًا عميقًا بأن السيادة الوطنية المهددة بفعل التدخلات والانقلابات تتطلب ترفعًا سياسيًا، وأن الأولوية يجب أن تبقى لاستعادة عافية الدولة قبل اقتسام مغانمها.
المسار الرابع: نحو استعادة المعنى للسياسة
إن تجربة حزب الرشاد، رغم كونها جهدًا بشريًا قابلًا للمراجعة والتقويم، نجحت في استعادة المعنى الأخلاقي للعمل السياسي في اليمن. فقد أثبتت أن «الرشد» في الموقف ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة في زمن الفوضى.
وفي ظل بحث اليمنيين عن مخرج من نفق الصراع المظلم، تظل قيم الاتزان والمسؤولية الوطنية التي جسدها هذا النموذج مدخلًا حقيقيًا لبناء يمن مستقر ومستدام، وطن يُبنى بالحوار والتوافق، لا بفرض الإرادات بقوة السلاح.
المسار الخامس: القيادة الرشيدة: رصانة الموقف في مهب التحولات
لا يمكن قراءة المسارات الناجحة لحزب الرشاد بمعزل عن طبيعة القيادة الواعية والمحنكة التي تقف خلف دفة قراراته؛ قيادة لم ترتهن يومًا لردود الأفعال اللحظية، بل استندت إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وقد تميزت هذه القيادة بمزيج فريد من الحكمة والمرونة السياسية، مع ثبات راسخ على المبدأ، ما جعل الحزب رقمًا صعبًا في معادلة التوازن الوطني، بعيدًا عن صخب الشعارات الجوفاء.
واستطاعت قيادة الرشاد، بذكائها السياسي، أن تعبر بالحزب من ضيق الصراعات إلى رحابة الفضاء الوطني، مقدمة نموذجًا حيًا لـ«القيادة الأخلاقية» التي تضع مصلحة اليمن فوق أي اعتبارات حزبية أو فئوية. وفي وقت تهاوت فيه رموز سياسية أمام إغراءات السلطة أو ضغوط المليشيات، ظلت قيادة الرشاد صلبة في مبادئها، لينة في تعاملها مع شركاء العمل الوطني، مجسدة مفهوم الرشد في أبهى صوره.
إن الإشادة بهذه القيادة ليست ثناءً عابرًا، بل اعترافًا باستحقاق وطني لقيادة آثرت أن تكون صمام أمان في زمن الانفجارات السياسية، وأكدت أن السياسة في جوهرها أمانة ومسؤولية، وأن الحفاظ على أسس الدولة في أحلك الظروف هو أسمى أشكال النضال.
واليوم، ومع ارتسام أفق جديد لليمن، تظل قيادة الرشاد رهانًا موثوقًا لكل من يبحث عن الاعتدال والاتزان وصدق التوجه، لتبقى تجربتهم نبراسًا يهتدي به الساعون إلى استعادة وطن يتسع للجميع، محميًّا بعقول رجاله المخلصين وحكمة قادته الراشدين.

http://مسارات رشادية

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية