عربي
يكتب القاص والروائي العُماني محمود الرحبي، عن الإنسان في لحظته العارية، لحظة تتراجع فيها الشعارات ويتحوّل العيش إلى فعل تكيّف يومي مع الخسارة، في مجموعته القصصية "لا بارَ في شيكاغو" (محترف أوكسجين للنشر، 2025). مجموعة قصصية تكتفي بالإصغاء إلى ما يتبقى من الإنسان حين يضيق العالم من حوله، وتغدو النجاة أقصى ما يمكن طلبه من الحياة.
يعود الرحبي في هذه المجموعة إلى القصة القصيرة بوصفها مساحة كثيفة لالتقاط التحوّلات الدقيقة في مصائر أفراد عاديين، أُنهكوا بفعل الزمن، والعمل، والعلاقات المتبدّلة. في القصة الافتتاحية "لم يعد أحمد يُصوَّر مع الدولة"، يرسم الرحبي صورة موظّف سابق كان حضوره الاجتماعي قائماً على المنصب والصورة، وشبكة العلاقات المرتبطة بالنفوذ. بعد الإحالة إلى التقاعد، تتفكّك هذه الشبكة سريعاً، ويُترك أحمد وحيداً في مواجهة زمن لم يعد يعترف به. الخسارة هنا رمزية بقدر ما هي مادية، تتجلى في انطفاء الصورة وتلاشي المكانة، وانسحاب الجميع من محيطه، وصولاً إلى انهيار العلاقة الزوجية. القصة تلتقط التحول القاسي من مركز الاهتمام إلى هامش الحياة، وتكشف كيف يختزل الإنسان في موقعه الوظيفي، ليمحى تماماً بانتهائه.
في القصة الثانية "لا بارَ في شيكاغو"، التي تحمل المجموعة عنوانها، تتعمّق مساءلة معنى النجاة عبر شخصية مال الله، المعروف بـ"مالان". بعد تجربتين قاسيتين، السجن بسبب السرقة، والسقوط من عمود في أثناء العمل، يصبح الجسد المعطوب مركز السرد. المشي اليومي بالعكاز نحو الحافلة، ثم إلى البار، يتحوّل إلى طقس تكراري لإدارة يوم بلا أفق. البار مساحة لتعليق الوعي، والبيرة المحسوبة جزء من اقتصاد النجاة. شيكاغو تبدو فضاءً محايداً، يترك الشخصية في مواجهة وحدتها، والغرفة الخارجية التي يستأجرها من أخته، والأجر الزهيد، تفاصيل تشيّد عالماً محكوماً بالتقشّف الوجودي، حيث تجري إدارة الجرح أكثر من مداواته.
في القصة الثالثة "رحلة"، ينقل الرحبي بؤرة السرد إلى المسافة الفاصلة بين القرية والمدينة، ويجعل منها مسرحاً لاختبار التحوّلات القيمية والاجتماعية. شخصية توفيق تمثل جيلاً من عمّال القرى الذين انتقلوا إلى المدن طلباً للرزق، وبنوا حياتهم على الازدواج بين مكانين. الرحلة تُكتب صدمة ثقافية، الزوجة القروية تدخل عالم المدينة للمرة الأولى، وتجد نفسها محاصرةً بالخوف والجسد ونظرات الآخرين، وتكشف هشاشة التوازن الذي بناه الزوج بين حياته العامة وسيرته الخاصة.
مساحة كثيفة لالتقاط التحوّلات الدقيقة في مصائر أفراد عاديين
مشهد الكيس الأسود الذي تضعه المرأة على رأسها في ممر الفندق وهي مرعوبة، يُعدّ من أكثر المشاهد كثافة في المجموعة. فعلٌ صامت يلخّص صراع الستر والخوف. هنا يكتب الرحبي الجسد الأنثوي بوصفه موقعاً للقلق الاجتماعي، ويكشف التواطؤ الصامت للرجل الذي يترك زوجته وحيدة في مواجهة هذا العالم، ثم يعود لينام إلى جوارها وكأن شيئاً لم يحدث. القصة لا تدين ولا تفسّر، وتضع القارئ أمام تناقض إنساني مكشوف.
تمضي القصص الأخرى في التقاط مصائر شخصيات تعيش على تخوم الحياة: متقاعدون، عمّال، صيّادون مهاجرون ووزراء، أشخاص تتقاطع حيواتهم مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، دون أن يكون لهم نصيب من خطاب البطولة. الرحبي يرسم هؤلاء بسخرية هادئة تسعى لأن تخفّف من قسوة المشهد كما تضاعف أثره في الآن نفسه.
