عربي
لا تتوقف مأساة البدو في الضفة الغربية على التهجير القسري، إنما تلاحقهم انتهاكات المستوطنين إلى أماكن سكنهم الجديدة، وسط تقصير الجهات الفلسطينية التي تحرمهم حتى من الصفة القانونية لتجمعاتهم.
تتواصل معاناة التجمعات البدوية الفلسطينية التي هُجّرت قسراً في الضفة الغربية بفعل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، إذ لم يضع الانتقال القسري حدّاً لتلك الاعتداءات، بل أعادوا إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً، شملت الملاحقة والتهديد وحرمان العائلات من التعليم والخدمات الأساسية، ومن رعي الماشية، وسط غياب الاستقرار القانوني.
فمنذ إقامة بؤرة استيطانية العام الماضي في أعلى جبل مطلّ على التجمع البدوي عرب الكعابنة، شرقي رام الله وسط الضفة الغربية، عاد كابوس اعتداءات المستوطنين إلى عائلة الكعابنة وتجمّعها البدوي الذي أقامته منتصف عام 2023، بعد اضطرارها إلى الرحيل من تجمّع "عين سامية" قرب كفر مالك، شرقي رام الله، بسبب هجمات المستوطنين التي وصلت إلى حد إحراق الممتلكات ومحاولة إحراق المساكن البسيطة التي تؤوي البدو.
وقد سبق أن غادرت 37 عائلة تجمّع عين سامية وتفرّقت في منطقتَي أريحا ورام الله، ما أدّى إلى تشتت العائلات، كون المكان الجديد للتجمّع لا يتّسع للجميع. وقد سكن خمسة من أبناء الثمانيني محمد الكعابنة (أبو ناجح) في مناطق أخرى، للسبب ذاته، بينما اختارت 12 عائلة منطقة الخلايل قرب المغير في شمال شرق رام الله. يقول أبو ناجح لـ"العربي الجديد": "إنّ أحد أسباب اختيارنا منطقة الخلايل، كونها مصنّفة منطقة ب وفق اتفاق أوسلو، أي إن سلطة التراخيص للبناء فيها تعود للسلطة الفلسطينية، وليس للإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال كما هو حال منطقة ج".
لكنّ إقامة التجمع البدوي في منطقة ب، لم يحمه من خطر الترحيل، فالمستوطنون يلاحقون الأهالي حتى في هذه المنطقة، وتعاني العائلة اعتداءات متكررة، كان آخرها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بمهاجمة قرابة 50 مستوطناً للتجمع ومحاولة اقتحامه، وقد استطاع الأهالي وقف الهجوم ومنع الاقتحام. وقبل ذلك، قام مستوطن بمهاجمة مضافة التجمّع عبر مركبة دفع رباعي صغيرة، اصطدمت بشكل مباشر بأحد المتضامنين الأجانب الذي كان يوثق ارتكابات المستوطن ومضايقاته للأهالي، ما أدّى إلى إصابته برضوض استدعت العلاج الميداني.
لا يكاد أبو ناجح يفتح باب حظيرة الأغنام، حتى تتسابق إليه الأغنام الصغيرة التي لا تزال في مرحلة الرضاعة، فهي تبحث عن أثر الحليب حتى في ثوبه، وتبدأ بمحاولة رضاعة القماش تعبيراً عن جوعها الشديد، كون أمهاتها لا تملك حليباً كافياً، لأنّها لا تحصل على الغذاء الكافي، وفق قوله. ويلفت أبو ناجح إلى أنّ الأغنام محشورة داخل الحظيرة طيلة الوقت، لا يمكن إخراجها للرعي بتاتاً، بينما يتنقل مستوطن بأغنامه بين أراضي الفلسطينيين، إما لرعي أغنامه، أو حتى لمجرد البقاء فيها ومضايقة التجمعات البدوية، حتى لو كانت الأراضي خالية من الأعشاب. ويضيف: "تخشى العائلة إخراج أغنامها لأسباب عدة، بينها إقدام المستوطنين على سرقتها، أو تعرّض أفراد العائلة لهجوم عنيف يؤدي إلى قتل الأغنام. وقد سرق المستوطنون من ابن عمي 150 رأساً من المواشي، وهاجموا عدداً من الرعاة في المنطقة".
يعاني تجمّع الكعابنة كذلك خطورةَ الطريق بالنسبة لطلاب المدارس. فمن الممكن أن يعترضهم المستوطنون في أي لحظة، وما من مدرسة قريبة سوى داخل قرية المغير، بينما كان التجمع في منطقة عين سامية يحظى بمدرسة أساسية، كما وفرت الجهات الرسمية مركبة لإيصال طلاب الصفوف العليا إلى مدارس القرى المجاورة. أدّى هذا الواقع إلى توقف عدد من الطلاب عن الدراسة، ولا سيّما طلاب الصفوف العليا، ومن بينهم حفيد أبو ناجح، إبراهيم، الذي تحول اليوم إلى مساعدة جدّه في مضافة التجمع.
يتلقى أهالي التجمع تهديدات من جيش الاحتلال، بأن أي تعرّض للمستوطن الذي يرعى في أراضي الفلسطينيين، يعني هدم التجمع بالكامل.
ولم تقتصر ملاحقة البدو بعد ترحيلهم على منطقتَي "ب" و"ج"، إنّما طاولت المنطقة "أ"، كما هي حال تجمّع عرب المليحات في منطقة ظهر البلقاء التابعة لمدينة أريحا. ففي يوليو/ تموز الماضي، رحلت عائلة المليحات من تجمعها في منطقة المعرجات شمال غربي أريحا، تحت وقع الهجمات العنيفة، واختارت منطقة ظهر البلقاء، بوصفها أرضاً مصنّفة "أ" وفق اتفاق أوسلو، أي إن المسؤولية المدنية والأمنية فيها للسلطة الفلسطينية، كما يقول سليمان المليحات لـ"العربي الجديد".
يسكن في هذه المنطقة نحو 25 عائلة تعاني مضايقات المستوطنين الذين يعيشون في بؤرة استيطانية قريبة، بحيث يقتحمون التجمع بشكل متكرر، ويُقدمون على قطع الطريق في حال حصول أي حدث أمني في الضفة الغربية. ويتحدث أهالي التجمع عن مشاهدتهم طائرة صغيرة للتصوير "درون" أطلقها المستوطنون لمراقبتهم، مرجّحين أنّها محاولة لدراسة التجمع ووضع خطط لترحيل سكانه.
يقول المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو، المحامي حسن مليحات، لـ"العربي الجديد": "إنّ معظم التجمعات المهجّرة تعاني من ملاحقة المستوطنين بشكل مستمر"، مشيراً إلى وجود خطط إسرائيلية لترحيل عدد من تلك التجمعات مجدداً، وأن المستوطنين يقومون بإعداد دراسات وإحصاءات حول التجمعات، وبشكل خاص عبر طائرات التصوير.
لا يلتفت المستوطنون إلى تصنيفات المناطق وفق اتفاق أوسلو، أو تبعيتها المدنية أو الأمنية، إذ إنّ الهدف إفراغ ما يمكن إفراغه من الأرض، وما دام أن الكثافة السكانية قليلة في أي منطقة أو أرض، فإنّها تُعدّ مطمعاً للمستوطنين، بحسب ما يؤكد مليحات. ويرى أن الأطماع ليست فقط في منطقة "ج"، فقد صارت التصنيفات خلف ظهورنا، وما من أحد يتمسك بها إلا السلطة الفلسطينية، بينما ينظر المستوطنون إلى المناطق الفلسطينية الخالية من الأبنية، باعتبارها قرى يجب استهدافها ما دام ذلك ممكناً.
لا تقتصر معاناة البدو المهجرين قسراً على ملاحقة جيش الاحتلال ومستوطنيه، بل يعاني بعضهم إشكاليات لناحية الأوضاع القانونية للأراضي التي اختاروها بديلاً لإقامة تجمعاتهم، إذ يقع تجمع عرب المليحات الجديد في منطقة ظهر البلقاء على أراضٍ وقفية، ولم يحظَ حتى الآن بموافقة رسمية على بقائه هناك، وفق قول سليمان المليحات، ما يخلق لدى الأهالي شعوراً بعدم الاستقرار، خصوصاً في ظل انعدام الخدمات المقدمة من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية، بسبب اعتباره "غير قانوني".
ويفتقر التجمع إلى مدرسة وعيادة طبية، ما دفع الأهالي إلى التواصل مع الجهات الفلسطينية الرسمية في محاولة للوصول إلى صيغة لاستئجار الأرض، في سبيل توفير الخدمات الحيوية، وكذلك المدرسة التي لا تزال تحتفظ بمكانتها القانونية في وزارة التربية والتعليم العالي، لكنّهم لم يحصلوا على الموافقة، وأُبلغوا أنّها مؤجّرة لصالح مشاريع استثمارية، بحسب قول سليمان المليحات.
وتختار بعض عائلات البدو أراضيَ حكوميةً أو وقفية للانتقال إليها بعد التهجير. ويقول المحامي حسن مليحات، إنّ هذا الاختيار سببه محاولة البدو الابتعاد عن التصادم مع المواطنين، باعتبار أنّ الذهاب إلى أراضٍ تُصنّف ملكيات خاصة، يعني التصادم مع أصحابها، وهم يدركون أن الحكومة مسؤولة عن توفير أماكن سكنهم. ويرى أن عدم إعطاء البدو الصفة القانونية في المناطق التي اختاروها، أو عدم توفير الجهات الرسمية الفلسطينية بديلاً ملائماً لهم، يُعدّ مخالفة للقانون الأساسي الذي يفرض توفير مأوى ملائم للمواطنين، مشيراً إلى أنّ البدو تُركوا وحدهم بعد أزمة التهجير القسري.
وبينما تُقدّر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عدد التجمعات التي جرى ترحيلها في الضفة الغربية، نتيجة اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، بـ40 تجمّعاً، تفيد منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو بأنّ العدد وصل إلى 70 تجمّعاً.

أخبار ذات صلة.
أين تأكل إذا كنت ترغب في العيش لفترة أطول؟
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة