عربي
شهد القرن العشرون الانتصار النهائي لفكرة الدولة – الأمة في ختام عملية طويلة ومتواصلة، كانت غايتها توحيد المقاطعات الأوروبية التي تنتمي إلى أصول إثنية مشتركة وإلى لغة واحدة. لكن القرن الحادي والعشرين سيشهد، كما يبدو، تحطيم فكرة الدولة – الأمة من جرّاء انفجار الهُويّات ونوازع الأقليات والإثنيات؛ وهي قضايا لم تتمكّن الدولة الحديثة من إيجاد الحلول لها حتى في أوروبا، بل عجزت عن إزاحتها من المجال العام السياسي والثقافي والاجتماعي. ولم يسبق لأمة أو لحضارة أو لقارّة أن أثّرت في العالم المحيط بها، والبعيد عنها، كما أثّرت أوروبا في شعوب الكرة الأرضية. وقد امتدّ تأثيرها إلى الصين والهند واليابان، وإلى بلاد المغول والمجوس والعرب. وكان العالم العربي أقرب تلك الشعوب إلى أوروبا، والأكثر التصاقاً بها ومجاورةً لها وتفاعلاً معها منذ عصر الإغريق والتنافس بين آكلي التمر وآكلي التين (الإغريق والفينيقيين) حتى حروب الفرنجة، ثم عصر الممالك العربية في الأندلس. ومع ذلك، لم يأخذ العرب من أوروبا أهم ما أنجزته في بناء الدولة والاندماج الاجتماعي، وظلّ التأثير الأوروبي محصوراً في نطاق الفكر والفنون والفلسفة، ومقصوراً على النُّخب التي عرفت الجامعات الأوروبية وكلّياتها العسكرية، ونقلت عنها وتأثّرت بها.
سيطرت أوروبا بالتدريج على العالم القديم منذ سنة 1454 فصاعداً، مع إعلان نهاية حرب المائة عام بين فرنسا وإنكلترا. ثم أنهت معاهدة وستفاليا (15/5/1648) حرب الثلاثين سنة التي كانت مندلعةً في مقاطعات بروسيا، وبين إسبانيا وهولندا. وقد أقرّت معاهدة وستفاليا بأن المواطنين أحرار في اختيار عقيدتهم الدينية في منازلهم، أما في المجال العام، فدين الأمير هو دين الدولة. وتضمّنت معاهدة وستفاليا بنوداً تنصّ على حماية الأقليات الدينية داخل كل دولة بدلاً من طردها على غرار ما جرى في حرب الاسترداد في شبه الجزيرة الإيبيرية (طرد المسلمين واليهود من إسبانيا)، شرط أن تعلن تلك الأقليات الولاء للدولة، وتتخلّى عن تقديم العون للقوى الخارجية، كما تتخلى عن أيّ ولاء آخر.
وكانت الدول الأوروبية الجديدة قد وافقت على عدم اضطهاد الأقليات المقيمة في نطاقها الجغرافي كي لا تتخذ الدول المجاورة التي تشترك في الإيمان الديني مع تلك الأقليات من ذلك الاضطهاد ذريعةً للتدخل العسكري. وصارت القاعدة العامة أن هذه الأقليات ما دامت لن تثور على الدولة، لن تضطهدها الدولة. وما دامت الدولة لن تضطهد أقلياتها، فعلى الدول التي تشترك مع الأقليات في الإيمان الديني احترام الدولة وحقّ الحكام في السلطة والتسلّط والحكم. ومنذ ذلك الوقت، بات الطراز الأوروبي في الدولة – الأمة المثال الأكثر جذباً لشعوب العالم.
عربياً، لم تظهر الدولة ومؤسّساتها الحديثة في سياق طبيعي، بل على أيدي المستعمرين
أُسّست الدولة الحديثة في أوروبا، إذاً، في سياق عملية نهضوية (عصر النهضة ثم عصر التنوير)، وكانت من علائمها الحداثة والعلم والقانون والمواطنة. أما نحن العرب، فلم تظهر الدولة ومؤسّساتها الحديثة لدينا في سياق طبيعي، بل على أيدي المستعمرين، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، وفي سياق تصفية التركة العثمانية، وعلى إيقاع الاقتحام الإمبريالي للمشرق العربي ومغربه، وتقسيم البلاد العربية على أسس دينية وطائفية، علاوة على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لدول الاستعمار. وبهذا المعنى، كان "من الواضح أن شعلة الحضارة الأوروبية لم تكن لتنير الأقاليم الواقعة في ما وراء حدود أوروبا، بل لتوقد فيها الحرائق" (رابندرانات طاغور).
واجهت النخب الفكرية العربية الحداثة الأوروبية خطراً على الهُويّة، وكان ثمة ردٌّ سلفي على الفكر النهضوي، وعلى الليبرالية التي راحت تنتشر في بلاد العرب بعد ثورة 1919 المصرية. وفي أيّ حال، ورثنا من الاستعمار الأوروبي دولاً لها هُويّة إلى حدّ ما، ولها هيكل سياسي وأجهزة إدارية ومؤسّسات ذات نفع عام، وأحزاب ونقابات وجمعيات ورابطات أهلية. أما اليوم، فقد أمسينا حطاماً بعدما طحن الاستبداد، ومعه الإسلامانيون والمتأسلمون والإسلاميون، الدولةَ وهيكلها وأجهزتها ومؤسّساتها، ثم أصبحنا رماداً. وما برحت الضباع المقروحة إيّاها تحاول أن "تجبل" حطامنا ورمادنا بنزيز تغلّبها لتبني بها أسيجة لتخلّفها الفكري والديني المُروِّع.
إذا كانت الدولة العربية الحديثة التي ظهرت بعد النكبة الفلسطينية، أو قبيل ذلك، قد تأسّست في سياق استعماري، فإن الكلام اليوم عن دول جديدة، فيدرالية أو لامركزية، يجري في سياق استعماري أيضاً، وتحت أثقال السيطرة الإسرائيلية المباشرة (السودان، أرض الصومال، اليمن، الأكراد، "جبل باشان"... إلخ). وكنا اعتقدنا أن عصر الإمبراطوريات قد انتهى في بدايات القرن العشرين بسقوط السلطنة العثمانية، إلا أن بدايات القرن الحادي والعشرين تشهد الآن عودةً متجدّدةً إلى الحروب الإمبراطورية من الطراز القديم. وفي هذا السياق، ربما نفهم لماذا أعلن الرئيس دونالد ترامب شعاره "لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً"، فأميركا القوية ستقود العالم بحسب هذا الشعار، وإسرائيل القوية يجب أن تقود المشرق العربي (راجع: عزمي بشارة، مقابلة مع التلفزيون العربي، 19/1/2026).
بقعة الضوء الوحيدة أن الولايات المتحدة تشيخ على غرار جميع الإمبراطوريات التاريخية الكبرى
الأخطر من ذلك كلّه أن ترامب أمر وزارة الحرب الأميركية (كانت تُسمّى وزارة الدفاع) بالبدء في اختبار الأسلحة النووية، إذ تمتلك الولايات المتحدة خمسة آلاف صاروخ نووي موزّعة بين الغوّاصات وأماكن الإطلاق السرّية، فيما تمتلك بقية دول العالم مجتمعة سبعة آلاف سلاح نووي. والخطِر في هذا الميدان أن النزاعات المسلّحة تدور حالياً بين قوى تمتلك أسلحةً نوويةً، مثل روسيا في أوكرانيا، والهند وباكستان، وإسرائيل وإيران.
وعلى هذا المنوال، يمكننا الحديث اليوم عن انتهاء عصر سيادة الدولة الذي نشأ بالتدريج بعد معاهدة وستفاليا سنة 1648، وباتت الدول القديمة متعدّدة القومية مفتّتةً ومنشطرةً مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي، وصولاً إلى الدول حديثة الانشطار مثل السودان والصومال واليمن، وربما العراق وسورية لاحقاً. ولا خيار أمام الدول التي تنتظر مصيرها إلا الخضوع للهيمنة الأميركية أو الذهاب إلى السلاح النووي لحماية سيادتها؛ فالردع التقليدي ما عاد نافعاً من جرّاء التطوّر التكنولوجي الهائل في السلاح والاستخبارات والذكاء الاصطناعي. لكن ماذا تفعل الدول التي لا تمتلك سلاحاً نووياً؟
أمام هذه الحال المروّعة، أرى أن لا مخرج أمام العرب وجوارهم، لحماية وجودهم القومي أو ما بقي منه، غير تأسيس محور سياسي غير أيديولوجي للدفاع عن المصالح الحيوية للعرب وجيرانهم، عماده مصر والسعودية وإيران وتركيا. فمصر تواجه تحدّياً مربّع الرؤوس في فلسطين والسودان وإثيوبيا والصومال (مياه النيل والتهجير السكّاني من السودان وغزّة). والسعودية مرتعبة ممّا يجري في أرض الصومال ومن الوجود الإسرائيلي في إريتريا وكينيا فضلاً عن اليمن. وإيران تواجه خطر التشقّق والفوضى والخوف على كيانها من جرّاء مشروعيها النووي والصاروخي. وتركيا خائفة من أن تفلت سورية منها، وخائفة من مستقبل "روج آفا" الكردية (شمال سورية وأجزاء من جنوب تركيا)، وأن تفقد السيطرة على الموارد النفطية في شرق البحر المتوسط.
سيكون من دواعي نشوتنا أن تندثر الإمبراطورية الأميركية المُدرَّعة، ولو في زمن مقبل نكون فيه قد اندثرنا
وهذا المحور الذي يبدو أنه مستحيل نظرياً يمكن أن يصبح ممكناً سياسياً من جرّاء الحاجة الملحّة إلى الدفاع عن الكينونة القومية. وهو يفسح المجال لانضمام سورية إليه فيما لو كانت تركيا إحدى زواياه الأربع، ويتيح للعراق أن يكون في نطاقه إذا كانت إيران أحد أركانه، وكذلك اليمن المرتبط جغرافياً واستراتيجياً بالسعودية. وفي هذه الحال، تصبح عضوية لبنان في ذلك المحور المتخيّل تحصيل حاصل ما دامت السعودية وإيران وسورية عماد هذا المحور. ولعلّ ما هو مستحيل واقعياً يصبح ممكناً في أحوال متغيّرة.
بقعة الضوء الوحيدة، رهاناً على المستقبل، أن الولايات المتحدة تشيخ بالتدريج على غرار جميع الإمبراطوريات التاريخية الكبرى، تماماً مثل ما شاخت قبلها أوروبا. ومن دواعي الغبطة والبهجة والسرور أن تتسارع هذه الشيخوخة وتشتدّ في لحظات سياسية يظهر فيها الشعب الأميركي، في أغلبيته، مضطرباً في معاييره العامة، لا سيّما في خياراته السياسية والانتخابية التي انحدرت كثيراً منذ عهد الرئيس بيل كلينتون على الأقل. فقد انتخب جو بايدن على الرغم من غبائه الذي ظهر جليّاً إبّان توليه منصب نائب الرئيس في عهد باراك أوباما سنة 2009، ثم انتخب دونالد ترامب على الرغم من شخصيته، الأمر الذي يعكس حال السياسة في الولايات المتحدة التي وصلت إلى الحضيض، ويكشف عمق التشقّقات الاجتماعية والهُويّات المتنافرة واستعدادها للعنف والتسبّب في تصدّع المجتمع في بلد "يتمتّع" بدَين تخطّى 37 تريليون دولار. فهل تعوّض ثروات غرينلاند وفنزويلا هذا الدين؟
ماتت الإمبراطورية الآشورية في الماضي وجنودها في دروعهم، وها هي الإمبراطورية الأميركية تتخبّط هنا وهناك كي لا تصل إلى مثل ذلك المصير، ولتحول دون السير نحو الشيخوخة. وسيكون من دواعي نشوتنا أن تندثر الإمبراطورية الأميركية المُدرَّعة، ولو في زمن مقبل نكون فيه قد اندثرنا.
