عربي
تسلّم العراق، مساء أول من أمس الأربعاء، الدفعة الأولى من معتقلي تنظيم "داعش" من سجون محافظة الحسكة شمال شرقي سورية، وذلك ضمن سلسلة دفعات قد تستمر أياماً، بواسطة طائرات أميركية وإجراءات أمنية مشدّدة. وبحسب مصادر عراقية خاصة تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن دفعة ثانية من سجناء "داعش" ستصل اليوم الجمعة، وعبر الآلية نفسها، من خلال طائرات نقل مروحية أميركية، وبمحضر تسليم رسمي للجهات العراقية من قبل الأميركيين، وتشمل جنسيات أوروبية وآسيوية وعربية مختلفة.
وأكدت المصادر نفسها أن سجوناً ومعتقلات عراقية لم تُهيأ لاستقبال سجناء "داعش" من سورية، لكن جرى تحضيرها سريعاً لأجل هذا الهدف، وهي سجن سوسة في السليمانية، وسجن الحوت في الناصرية (مركز محافظة ذي قار)، وسجن المطار (كروبر) المجاور لمطار بغداد الدولي، مبينةً أن "السلطات العراقية خصّصت أجنحة لقادة التنظيم، وأخرى للعناصر، وأخرى للأفراد الأقل خطورة". وأضافت المصادر التي تعمل على مقربة من آليات استلام سجناء "داعش" أن "هذه السجون لن تكفي الأعداد التي يجرى الحديث عنها، وهي أقل من 7 آلاف، وقد تلجأ السلطات إلى الاستعانة بسجون جديدة أو إيجاد آليات لمنع الاكتظاظ، بما فيها إعادة العمل في سجن أبو غريب الذي أغلقته السلطات قبل سنوات طويلة، ثم حوّلته إلى إصلاحية ومركز احتجاز للمتورطين بجرائم المخدرات والممنوعات.
تضمنت الدفعة الأولى 150 معتقلاً من جنسيات عراقية وأجنبية وعربية مختلفة، لكن الأرقام تتحدث عن سجناء بالآلاف
دفعة أولى من سجناء "داعش"
ووفقاً لإعلان رسمي عراقي صدر عن المتحدث العسكري باسم رئيس الحكومة محمد شياع السوداني صباح النعمان مساء أول من أمس، فقد تسلّم العراق دفعة أولى من 150 معتقلاً من جنسيات عراقية وأجنبية وعربية مختلفة، كانوا محتجزين في السجون السورية التي كانت تديرها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وأكد النعمان أن خطوة تسلم سجناء "داعش" جاءت بقرار من "مجلس الأمن الوطني" الذي يضم رئيس الوزراء وقادة الأمن ووزيري الدفاع والداخلية في العراق. وأوضح أنه "بالتعاون مع التحالف الدولي، تمّ الاتفاق على استلام العراق الإرهابيين من الجنسية العراقية ومن الجنسيات الأخرى المعتقلين في السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وإيداعهم المؤسسات الإصلاحية الحكومية". وأضاف أن "الدفعة الأولى تضم 150 عنصراً إرهابياً من العراقيين والأجانب من الذين أوغلوا بدماء العراقيين الأبرياء"، وفقاً للبيان، مؤكداً أنه "ستُحدَّد لاحقاً أعداد الوجبات الأخرى، وفق تقدير الموقف الأمني والميداني، لتطويق خطر انتشار هؤلاء الذين يُعدون من قيادات المستوى الأول في العصابات الإرهابية".
قبل ذلك، أعلنت القيادة الوسطى في الجيش الأميركي "سنتكوم" عن البدء بنقل آلاف المعتقلين من تنظيم داعش من سورية إلى العراق. وقالت "سنتكوم" في بيان لها: "بدأنا مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سورية إلى العراق، وذلك لضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة"، مضيفة أن "مهمة النقل بدأت بالتزامن مع نجاح القوات الأميركية في نقل 150 مقاتلاً من داعش كانوا محتجزين في مركز احتجاز في الحسكة، سورية، إلى موقع آمن في العراق، ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد معتقلي داعش الذين سيجرى نقلهم من سورية إلى مراكز احتجاز خاضعة للسيطرة العراقية إلى 7 آلاف معتقل".
اعتراضات ومخاوف
وخلال الأيام الماضية، شهد العراق موجة تساؤلات ومخاوف من مصير الآلاف من سجناء "داعش" في شمال شرق سورية، بعدما استولت القوات الحكومية على مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها لفترة طويلة القوات الكردية التي كانت تحرس السجون التي تضمّ الآلاف من معتقلي التنظيم وعائلاتهم من عشرات الدول. مع العلم أنه لا يزال كثير منهم في وضع قانوني غير مستقر بعد أن رفضت حكوماتهم الأصلية إعادتهم إلى أوطانهم.
وعلى الرغم من بعض الاعتراضات التي صدرت عن سياسيين وأعضاء في البرلمان العراقي، والتي تلخصت في اعتبار هذه التطورات "خرقاً للسيادة العراقية" والمخاوف من تسرّب المتطرفين والمنتمين لـ"داعش"، إلا أن الحكومة العراقية أعلنت، على لسان مستشار رئيس الوزراء حسين علاوي، عن سبب موافقتها على استقبال معتقلي "داعش"، بأنه "يهدف إلى منع أي محاولة لإعادة المأساة التي مرّ بها العراقيون، وأن العراق شريك دولي متقدم في مجال مكافحة الإرهاب وفي مجال تنفيذ العدالة الجنائية تجاه هؤلاء الإرهابيين".
وبحسب مصادر أمنية وعسكرية عراقية تواصلت معها "العربي الجديد"، فإن "عمليات نقل دفعات المعتقلين لن تكون بجهود عراقية فقط، بل بمشاركة سورية وأميركية، لمنع أي حالة هروب أو إخلال بالاتفاق الثلاثي بين بغداد ودمشق وواشنطن". كما أعلنت وزارة الخارجية السورية أنها "تلتزم بتقديم الدعم اللوجستي والأمني اللازم لإنجاح عملية نقل السجناء، بما يسهم في الحد من المخاطر الأمنية المرتبطة بوجودهم داخل الأراضي السورية". وسبق أن أعلنت "قسد" أنها "تعتقل 10 آلاف عنصر من داعش". لكن المصادر العراقية قالت إنهم "لا يتجاوزون 6 آلاف و200 فرد".
مخلد حازم: الحدود المشتركة لا تحتوي على أي ثغرات عدا منطقة قريبة من سنجار طولها 30 كيلومتراً
ومن المقرر أن يبدأ القضاء العراقي بمحاكمة العراقيين والأجانب من المعتقلين، وفق القانون العراقي باعتبارهم نفذوا عمليات و"جرائم" داخل الأراضي العراقية خلال السنوات الماضية، وأكد مجلس القضاء الأعلى في العراق، أمس، إنه "سيتم اتخاذ إجراءات قضائية بحق المتهمين من عناصر داعش الذين تمّ نقلهم من سورية"، مضيفاً أن "جميع المتهمين الذين سينقلون من سورية خاضعون لسلطة القضاء العراقي". ويرى مراقبون أن "العراق قادر على التواصل مع بعض الدول التي ينتمي إليها بعض المعتقلين من أجل الحصول على الدعم المادي مقابل تخليصهم من الإرهابيين، أو الحصول على مصاريف محاكمتهم على أقل تقدير، وهو إجراء معمول به في مثل هذه الحالات".
من جهته، اعتبر عضو البرلمان العراقي عن كتلة "حقوق" التابعة لـ"كتائب حزب الله" مقداد الخفاجي قيام الجيش الأميركي بنقل معتقلي عناصر "داعش" من سورية إلى العراق "خرقاً للسيادة"، مشيراً إلى أنه "لا يستبعد حصول عمليات تهريب للسلاح في الأيام المقبلة". وقال الخفاجي في تصريحات صحافية إن "المعطيات الحالية تنذر بخطر على العراق، ولذلك على الحكومة والشعب العراقي والقوات الأمنية والحشد الشعبي وفصائل المقاومة والبشمركة الاستعداد للأيام المقبلة".
بدوره، أشار الباحث في الشأن الأمني مخلد حازم إلى أن "المعلومات بخصوص الاتفاق العراقي على نقل عناصر داعش إلى العراق لا تزال شحيحة وقد تبقى على هذه الحال، لمنع أي محاولة للهروب أو التجاوزات على الاتفاق"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "الاتفاق كبير ويحتاج إلى تهيئة وتحضيرات وأمور لوجستية، وهناك مجموعة تساؤلات لا بد من الوصول إلى إجابة حكومية منها، تتعلق بأعداد العراقيين والأجانب، والأماكن التي سيكون فيها هؤلاء المعتقلون، بالإضافة إلى الوقوف عند الجهة التي تحمي المعتقلات والسجون وإمكاناتها في هذا الأمر".
وأكمل حازم بأن "الحدود العراقية السورية منذ العام 2017 أخذت الأولوية ضمن العمل الحكومي العراقي"، لافتاً إلى أنها "لا تحتوي على أي ثغرات عدا منطقة قريبة من سنجار بواقع 30 كيلومتراً، لأن تلك المنطقة خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لكن ما يرتبط بالشريط الحدودي ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش العراقي، فلا يمكن عبور أحد من دون رصده"، موضحاً أن "أزمة الإرهابيين العراقيين الذين كانوا في معتقلات قسد لا بد أن تنتهي، وكذلك ملف الإرهابيين الأجانب، لأن بقاءهم في المخيمات والسجون أمر يبقى حالة مقلقة للدول والمجتمعات".
