تفكك الدول في الشرق الأوسط كتهديد عالمي
أهلي
منذ يوم
مشاركة

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

أكدت أحداث الأسابيع القليلة الماضية في اليمن على مخاطر تشرذم الدولة في العالم العربي؛ حيث كان الحوثيون المتحالفون مع إيران قد قسموا البلاد إلى نصفين عندما استولوا على السلطة في عام 2014، وبسطت الحكومة المعترف بها دولياً سيطرتها على جزء كبير من الأراضي اليمنية انطلاقاً من العاصمة المؤقتة عدن، بينما سيطر الحوثيون من صنعاء على بقية أجزاء البلاد.

وفي ديسمبر الماضي، حاول “المجلس الانتقالي الجنوبي” – وهو تحالف فضفاض يضم عدة جماعات من الجزء الجنوبي من البلاد – تقسيم الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة، في انتهاك للقانون اليمني وللاتفاق الذي وقعه مع الحكومة في عام 2019 بوساطة سعودية. ورغم فشل هذه المحاولة، إلا أنها سلطت الضوء على مخاطر حدوث مزيد من التشرذم في اليمن.

أما في سوريا، فقد شهدت مدينة حلب خلال الأيام القليلة الماضية أعنف موجة من العنف منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وذلك عندما هاجمت “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد مواقع حكومية في المدينة. وتعد هذه القوات تحالفاً لميليشيات يسارية تابعة لحزب العمال الكردستاني الانفصالي في تركيا، وتعمل كجناح عسكري لما يسمى بـ “الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا”، المعروفة أيضاً باسم “روجافا”. وقد جاء الهجوم على حلب في انتهاك واضح لاتفاق وقعته هذه القوات مع الحكومة في مارس الماضي.

وفي سياق سوري متصل، دأبت إسرائيل على تشجيع المجتمع الدرزي الصغير في الجنوب على الانفصال والانضمام إليها. ورغم أن هذا الاحتمال يبدو بعيد المنال، إلا أن تدخل تل أبيب شتت جهود دمشق في ملفات المصالحة وإعادة الإعمار، فضلاً عن المئات من الغارات الإسرائيلية التي ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية السورية.

وفي فلسطين، تعمل إسرائيل جاهدة على تدمير السلطة الفلسطينية، التي تأسست في التسعينيات بموجب اتفاقيات أوسلو التي أبرمها الجانبان بوساطة أمريكية ونرويجية؛ حيث قدمت إسرائيل الدعم لكيانات فلسطينية موازية وشجعت المستوطنين الإسرائيليين على تقويض السلطة الفلسطينية.

وفي السودان، تواجه البلاد محاولات من قبل “قوات الدعم السريع” – وهي ميليشيا سيئة السمعة متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان – لإنشاء حكومة موازية. كما تتصدى الصومال لمحاولات إقليم “صوماليلاند” (أرض الصومال) الانفصالي لإضفاء الشرعية على انفصاله عبر الحصول على اعتراف دولي؛ وهي الخطوة التي لم تتخذها سوى إسرائيل حتى الآن. وفي ليبيا، تنقسم البلاد إلى عدة “إقطاعيات” بحكم الأمر الواقع تتنافس على السيطرة، بينما يواجه العراق ولبنان تحديات خطيرة تقوض سلطة الحكومة.

وفي “مؤشر الدول الهشة” لعام 2024، أدرج “صندوق السلام” الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، عدة دول عربية ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة للمخاطر في العالم من حيث التحديات الأمنية والتماسك السياسي والأداء الاقتصادي. وقد احتلت أربع منها (الصومال والسودان وسوريا واليمن) مراكز ضمن قائمة الدول الست الأكثر هشاشة في العالم، ولم تكن فلسطين ولبنان وليبيا والعراق بعيدة عن هذه القائمة.

وبالمثل، تظهر هذه الدول بشكل سلبي في “مؤشر السلام العالمي” الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الأسترالي، والذي يقيس مستوى “السلمية” النسبية للدول. وأكد تقرير عام 2025 حقيقة بديهية، وهي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة “الأقل سلماً في العالم”.

وفي جميع هذه الحالات، غذت أطراف خارجية شهية القادة المحليين للسلطة على حساب الدول المركزية، مما ساهم في تآكل سلطة الدولة وتشرذم هذه البلدان.

إن تشرذم الدولة في هذه البلدان لا يشكل تهديداً للأمن الداخلي فحسب، بل خلق أيضاً تحديات خطيرة للأمن الإقليمي والدولي على حد سواء. فمن خلال إضعاف السلطة المركزية، يؤدي هذا التشرذم إلى خلق فراغات في السلطة، مما يسمح ببروز فاعلين من غير الدول وتهديدات عابرة للحدود، ويثير حالة من عدم الاستقرار الإقليمي.

وقد شهدنا مثل هذه التطورات في جميع الدول الهشة في المنطقة تقريباً؛ فمع تراجع سلطة الحكومة وانحسار احترام القانون والنظام، تزدهر الكيانات من غير الدول، بما في ذلك الميليشيات المسلحة، والجماعات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظمة المنخرطة في تهريب الأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر.

وبناءً عليه، تصبح هذه الدول المتشرذمة أو الهشة بؤراً خصبة للإرهاب العالمي، والقرصنة، والجرائم العابرة للحدود، والتهديدات التي تمس الأمن البحري وسلاسل التوريد. ومع الانهيار الأمني المحلي وضعف الاقتصاد، يتوجه اللاجئون والمهاجرون نحو بلدان أخرى، مما يهدد أحياناً الاستقرار السياسي والازدهار والأمن والتماسك الاجتماعي في البلدان المضيفة.

ومع مواجهة خطر التشرذم، تصبح هذه الدول أضعف من أن تتعاون بفعالية مع جيرانها في القضايا الأمنية المشتركة، مثل مكافحة التهريب عبر الحدود أو الإرهاب. ويتفاقم هذا العجز عن التعاون عند تدخل الأطراف الخارجية.

وغالباً ما تجذب الدول المتشرذمة قوى خارجية متنافسة تتسابق على النفوذ، مما يزيد من تعقيد الديناميكيات الداخلية ويحول الصراعات المحلية إلى نزاعات جيوسياسية أوسع نطاقاً. كما يؤدي التشرذم إلى تآكل المعايير الدولية، مثل احترام سيادة القانون، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، وقانون البحار، كما شهدنا في اليمن وفلسطين والسودان والصومال وسوريا.

وثمة حاجة إلى جهود إقليمية ودولية لمنع تشرذم الدول عبر الوساطة في النزاعات. وإلى جانب الوساطة، هناك حاجة إضافية لمساعدة الدول الهشة على تحسين الحوكمة والرفاه الاقتصادي واستعادة الاستقرار والتماسك الداخلي. ويعد تدريب قوات الأمن، وتقديم المساعدات الاقتصادية المشروطة، وتشجيع الاستثمار، من بين الأدوات اللازمة لتحصين الدول ضد التشرذم.

لقد أطلقت المملكة العربية السعودية مبادرات مهمة لمنع التشرذم أو عكس مساره في عدد من الحالات في المنطقة؛ فبالتعاون مع فرنسا والنرويج، قادت الجهود الرامية إلى إحياء عملية السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تأسيس “التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين”. كما دافعت عن قضية اليمن الموحد والسلمي، وحشدت الدعم الدولي لسوريا، وتوسطت بنشاط في الصراع السوداني، وكانت إدارة ترامب داعمة في معظم هذه القضايا.

ومع ذلك، يتعين على المجتمع الدولي بذل المزيد من الجهود؛ إذ يمكن للاتحاد الأوروبي تقديم مساهمة أكبر في معظم هذه النزاعات عبر الوساطة الفعالة والمعونات الاقتصادية وتحسين الحوكمة. كما يمكن لحلف “الناتو” المساعدة عبر توفير التدريب لقوات مكافحة الإرهاب. وبإمكان القوى الكبرى الأخرى المساهمة سياسياً من خلال الضغط على الأطراف الخارجية للامتناع عن إذكاء الصراعات الداخلية في المنطقة، وتقديم المساعدات الاقتصادية والأمنية عند الحاجة.

 

  • د. عبد العزيز العويشق هو الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون لدول الخليج العربية. الآراء الواردة هنا شخصية ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر مجلس التعاون.
  • المصدر: نشرتها صحيفة “ The Pak Banker” الباكستانية يوم 22/1/2026 الصفحة 5
  • ونشرتها صحيفة “عرب نيوز” السعودية الناطقة بالانجليزية في 8/1/2026

The post تفكك الدول في الشرق الأوسط كتهديد عالمي appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية