عربي
في عام 2000، وصل عازف العود العراقي رحيم الحاج إلى الولايات المتحدة الأميركية لاجئاً سياسياً، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته وحياة العود، أعادت صياغة دور الآلة عالمياً، وتجسد ذلك في قائمة أعماله التي مزجت الأنماط الموسيقية في جرأة بالغة؛ ففي ألبومه "أصوات قديمة" حاور عازف السارود الهندي، أمجد علي خان، ليحصد ترشيحاً لجائزة غرامي العالمية، بينما جسّد في رسائل من العراق مأساة بلده عبر ثماني مقطوعات مستوحاة من رسائل حقيقية كتبها عراقيون، دامجاً العود مع الكوينتيت الوتري الغربي.
برزت نزعته التجريبية أكثر في ألبومي "سماء واحدة" مع عازف السنتور الإيراني صادق ترابي، و"أرض صغيرة" الذي جمع فيه السيتار الهندي والناي الإيراني والكورا الأفريقية والبيبا الصينية وأكثر من 125 عازفاً.
في الأعوام الأخيرة، يبرز اسم رحيم الحاج ليس عازفاً بارعاً فحسب، بل أيقونة موسيقية حائزة أرفع الأوسمة الفنية في الولايات المتحدة، منها زمالة التراث الوطني وترشيحان لجائزة الغرامي، مؤكداً أن الموسيقى العراقية، في عهدته، لم تعد تراثاً محبوساً في الذاكرة، بل قوة ناعمة تخاطب الوجدان العالمي من فوق أرفع مسارح العالم. التقت "العربي الجديد" الموسيقي العراقي للتعرف إلى تجربته أكثر.
في ألبومك الأول، "بغداد الثانية"، ساد نوع من التقشف إن جاز التعبير: عود منفرد، وموسيقى خالية من الزخارف اللحنية الكثيفة التي يتميّز بها المقام العراقي. ما الرؤية التي اقترحت هذا الاختيار؟
حين جئت إلى الولايات المتحدة في سن الثلاثين كنت لا أعرف الإنكليزية. أتيت إلى هذا البلد ذي الطبيعة القاسية متسلحاً بالعود وبإرث موسيقي عربي فقط، لأكتشف نفسي من جديد في بلد لا يعرف ما هي هذه الآلة. ومع ذلك، تمكنت عن طريق صديقة كانت تعلمني الإنكليزية وبطاقة ائتمانية أتاحت لي مبلغ ألفي دولار، من التواصل مع أحد الاستوديوهات، إذ سجلت ألبومي الأول خلال ساعة متواصلة من دون توقف أو إضافات، لأن أي وقت إضافي كان سيكلفني مالاً لا أملكه.
رغبت في هذا العمل أن أعبر من خلال الآلة وليس عنها. أردت أن أصرح بما شعرت به آنذاك: غربة رحيم في مجتمع لا يستطيع التواصل معه؛ لأنه لا يمتلك اللغة بعد، لذلك جاء العمل بسيطاً وبعيداً عن أي نزعة استعراضية مرتبطة بتلك الزخارف الموسيقية.
ألبومك "موسيقي من العراق" وضعك على خريطة الموسيقى العالمية بترشيحه لجائزة غرامي. ما العوامل التي اجتمعت في هذا العمل وجعلته محط أنظار عالمية؟
لهذا الألبوم قصة، قدمته بعد نحو سنتين من مجيئي إلى الولايات المتحدة. ومن خلال صديق هو ستيفن فيلد، أحد أبرز المتخصصين في موسيقى الشعوب. حضر فيلد إحدى أمسياتي وأعجب بما قدمته، فأرسل بريداً إلكترونياً مشفوعاً بأسطوانة إلى شركة مهمّة متخصصة في موسيقي الشعوب، وهي سميثسونيان فولكوايز.
بعد شهر، تواصلت معي الشركة، وتعاقدنا على إنجاز ألبوم للموسيقى العراقية التقليدية. قدمت فيه مقطوعات تراثية، لكنني في الوقت نفسه صغت مقدمات للمقام العراقي، أبرزت فيها رؤيتي الخاصة وتقنياتي، من دون أن يُخل ذلك بتقديم المقام بأمانة، بعد أن دونته (تنويت). هكذا، صار الألبوم مع التدوين وثيقة معرفية عن المقام العراقي.
في ألبوم "رسائل من العراق"، جسدتَ موسيقياً ملامح من الحياة اليومية في بلدك بعد عام 2003. هل تحكمك رؤية محددة في ترجمة الواقع إلى لحن، أم أن الأمر يُترك للإحساس وحده؟
حين زرت العراق في ذلك التوقيت، فكرت بعد عودتي في تقديم محاضرات إلى الجمهور الأميركي للتعريف بمعاناة الشعب العراقي تحت تأثير الحرب والحصار، خصوصاً أنني أُدرس في الجامعة، لكنني أدركت أن الموسيقى ستكون أكثر تعبيراً.
لهذا، ألفت عملاً مستوحى من رسائل بعث بها العراقيون إلى العالم الخارجي في أثناء فترة الحصار والحرب، فجاء لكل رسالة مقطوعة موسيقية ضمن قالب غربي كلاسيكي (String Quintet)، حتى لا تتطلب جهداً من المستمع الغربي للتجاوب معها، من دون أن يمنع ذلك المستمع العربي من الإحساس بشرقية المقطوعات. في هذا الألبوم، وضعت الإيغو جانباً لأعبر بأمانة عن هذه الرسائل. اكتفيت بأن أكون مترجماً موسيقياً لتلك الرسائل الإنسانية، لهذا وصل الألبوم إلى مراحل متقدمة من التلقي، وعزفته في أنحاء العالم، حتى في أوبرا سيدني.
لا تعتمد في مؤلفاتك على التقسيم التقليدي أو الارتجال المرسل، بل تميل إلى التأليف البنائي المحكم. هل يعود ذلك إلى رغبتك فقط في سرد الحكايات، أم أن هناك أسباباً جمالية أخرى؟
فاجأني ناقد فرنسي مرةً بعد حضوره إحدى أمسياتي، برأي مفاده أن رحيم يعزف لذاته وليس للجمهور. وما قصده هو أنني في أثناء العزف أكون مسترخياً، لا أتشنج أو أبذل جهداً لإبهار الجمهور، إذ يصبح التكنيك هو غاية بحد ذاته لا الموسيقى.
الموسيقي حالة وجدانية لا تتوافق مع التشتيت الذي تحدثه محاولات الاستعراض عبر التقنيات العالية التي يميل إليها بعض العازفين.
ولا أخفي عنك سراً، أنني في بداياتي كنت مبهوراً بهذا الأسلوب وحريصاً عليه، لكن بعد مجيئي إلى الولايات المتحدة ودراستي الموسيقى الغربية، شعرت أن غاية الموسيقى أبعد ما تكون عن الإبهار والاستعراض، فعندما يقدم العازف أربع أو خمس نغمات في اللحظة نفسها، لن يترك هذا مساحة للسماع والتأمل.
ترشح ألبوم "أصوات قديمة"، الذي جمعك بعازف السارود الهندي أمجد علي خان، لجائزة الغرامي ضمن فئة أفضل ألبوم موسيقى عالمية تقليدية. هل أنصفك هذا التصنيف، أم أنه تجاهل حداثة قد تكون واضحة في التجربة؟
بالتأكيد شعرت بظلم وقع على الألبوم؛ فهو موسيقى حداثية صرفة. كنت قد سجلته عام 2000 لدى لقائي مصادفة بعازف السارود الهندي أمجد علي خان في أحد الاستوديوهات، وعرفني إليه أحدهم، وبسبب عدم إجادتي الإنكليزية آنذاك لم أستطع محادثته، فكان حوارنا بلغة الموسيقى: أخرج هو السارود وأحضرت العود، وبدأنا بالعزف بعيداً عن أي تنافسية.
سُجل العمل، ثم نسيته تماماً، ولم أتذكره أو أستمع إليه إلا بعد أكثر من 12 عاماً، فأعجبني كثيراً، عندها قررت إنتاجه وإصداره. لذلك لم يكن هناك أي تقليدية تتعلق بهذا الألبوم سوى الآلتين، وبعد صدوره في عام 2000، جلنا، أمجد وأنا، في جميع أنحاء الهند، حيث دهشت من المكانة التي يتمتع بها هناك.
في ألبوم "أرض صغيرة" فتحت باب التجريب على مصراعيه: السيتار الهندي والناي الإيراني والكورا الأفريقية والبيبا الصينية، إلى جانب غيتارات الجاز والروك. كيف استطاع العود أن يستوعب كل هذه الأصوات في واحدة من أكثر التجارب جرأة في تاريخ الآلة؟
أتصور أن هذا العمل حمل درجة عالية من الجنون؛ فما علاقة عازف عود عراقي بالبيبا الصينية؟ لكنني بدأت دراسة هذه الآلة وغيرها انطلاقاً من الرسالة التي حملها ألبوم "أرض صغيرة"، حتى وإن اختلفت لغاتنا وأدواتنا في التعبير الموسيقي.
درست هذه الآلات المختلفة، وبالطبع استغرق العمل وقتاً طويلاً، وشارك فيه أكثر من 125 عازفاً من ست قارات. دوّنت نوتاتها كاملةً. ورغم الكلفة العالية تمكنت من تمويله من جائزة فزت بها اسمها American Artist Award، وأصدرته في أسطوانتين.
رأى عدد من النقاد توظيفك لتقنية الكاونتربوينت (Counterpoint)، خصوصاً في ألبومك "رسائل من العراق"، نقطة تحول في تاريخ العود. كيف تنظر أنت إلى هذا التحول؟
كانت هذه التقنية ضرورة تعبيرية فرضتها طبيعة القصص التي يرويها الألبوم؛ إذ احتاجت إلى خطوط لحنية مستقلة ومتزامنة لتعكس الأصوات المتداخلة والمشاعر المتضاربة، كما منحت العود قدرة أكبر على السرد.
من اللافت في ألبوم "سماء واحدة"، الذي جمعك بعازف السنتور الإيراني صادق ترابي، الكتيّب المرافق للعمل (20 صفحة)، فبدا أقرب إلى وثيقة ثقافية. ماذا أردت أن تقول من خلاله؟
العالم اليوم يعيش في حالة غليان، بلغ فيها التعصب والكراهية مستويات خطيرة، لهذا جاء هذا الألبوم رسالة تذكير أننا نعيش تحت سماء واحدة، وإن اختلفت الجغرافيا والألوان واللغات.
أما هذا العمل فقد ألفته في عمر الثالثة عشرة على مقام إيراني اسمه دشت، وكانت الحرب دائرة آنذاك بين العراق وإيران، فاتهمت حينها بالخيانة. وكما احتفظت باللحن، ظل المعنى حاضراً معي منذ الصغر، إلى أن قدمت الاثنين لاحقاً مع الموسيقي الإيراني. وفي الكتيب، إلى جانب التعريف بالموسيقى العراقية ونظيرتها الإيرانية وبالآلتين الشرقيتين، وثقت حكاية هذه المقطوعة، وكيف اجتمع بعد كل هذه السنوات عازفان من بلدين خاضا حرباً طاحنة استمرت ثماني سنوات، ليعزفا معاً على المسرح تحت سماء واحدة.
تضمن الألبوم آنذاك رسالة للإدارة الأميركية، وهذه القصة ربما أرويها للمرة الأولى، فإلى جانب الموسيقي الإيراني، استعنت بعازف من كوريا الشمالية، وكنت أرغب في تسمية الألبوم بالتسمية نفسها التي أطلقها بوش على دولنا "محور الشر"، لكن الشركة الأميركية مانعت، فتغير العنوان إلى سماء واحدة.
هل تطلب وصول العود إلى الجمهور الغربي نوعاً من "أنسنته" والابتعاد به عن دوره الطربي الشرقي التقليدي؟
لا أراه تخلياً عن الطربية، بقدر ما هو تعميق لولائي إلى المعرفة التي حصلتها والرؤية التي تحكم موسيقاي. فلست معنياً على الإطلاق بتكرار الروح نفسها التي قُدمت على امتداد القرون الماضية، وأعتقد أن هذا المسار الجديد لم يغير من هوية العود بل طور تعبيره. تخيل آلة مثل الكمان بأربعة أوتار مع ذلك قادرة على تقديم جميع الألوان الموسيقية، وهذا ما أطمح إليه للعود.

أخبار ذات صلة.
أين تأكل إذا كنت ترغب في العيش لفترة أطول؟
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة