عربي
شهد المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني (أراضي 48)، اليوم الخميس، إضراباً عاماً وشاملاً، ترافقه مظاهرة حاشدة للانتفاض ضد العنف والجريمة المنظّمة، وسياسات المؤسسة الإسرائيلية المتهمة بالتواطؤ مع المجرمين، وقد شارك عشرات آلاف المتظاهرين في احتجاج غير مسبوق رغم الرياح الشديدة والبرد القارس، وتضييقات الشرطة الإسرائيلية التي أغلقت عدداً من الطرق المؤدية إلى موقع المظاهرة، أمام مركز شرطة ميسغاف القريب من مدينة سخنين في الجليل.
ورفع المشاركون، من مختلف الأجيال والفئات العمرية، شعارات غاضبة حمّلت الحكومة والشرطة الإسرائيليتَين مسؤولية تفشي الجريمة في الداخل الفلسطيني واستمرارها، من بينها "الحكومة والشرطة شركاء في الجريمة"، و"أوقفوا حرب الجريمة"، و"حاربوا واجمعوا السلاح"، إضافة إلى شعار "أنا طفل وبخاف".
وأفادت قيادات في لجنة المتابعة، مساء اليوم، بأنّ عدد المتظاهرين في سخنين تجاوز 100 ألف، علماً أنّ المنظمين كانوا قد لفتوا في وقت سابق إلى أنّ أكثر من 50 ألف مشارك، في حين أشارت تقديرات أخرى إلى أن العدد يفوق هذا الرقم، الأمر الذي يعكس حجم المشاركة اللافتة في الاحتجاج.
وأكد المشاركون أن هذه المظاهرة في الداخل الفلسطيني تمثّل خطوة أولى على طريق التصعيد، ستتبعها تحركات وخطوات نضالية أخرى، مع عدم استبعاد الوصول إلى العصيان المدني في مراحل لاحقة. بدورهم قال عدد من عائلات الضحايا لـ"العربي الجديد" إن هذه الخطوة تُعدّ مباركة وتمثل التوجّه الصحيح، مؤكدين أنها كان يجب أن تُتخذ منذ فترة طويلة، لكن الأهم الآن هو الحفاظ على الاستمرارية في التحركات لضمان تحقيق المطالب.
وتأتي هذه المظاهرة في سياق تصاعد ملموس في جرائم القتل والنزاعات بين العصابات في الداخل الفلسطيني، فضلاً عن محاولات لفرض إتاوات على المحال والمصالح التجارية من قبل مجرمين. وتضاف إلى ذلك فوضى السلاح، وتزايد جرائم إطلاق النار بشكل شبه يومي، والتي كثيراً ما تسفر عن مقتل أبرياء من البالغين والأطفال، سواء عن طريق "الخطأ" أو بما يُعرف بـ"الرصاص الطائش" وهي توصيفات غير مقبولة لدى المجتمع، في ظل قناعات بوجود سياسة إسرائيلية موجّهة تغذي منظّمات الإجرام وتسعى لتفكيك المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني وإشاعة الفوضى والنزاعات فيه.
Voir cette publication sur Instagram
Une publication partagée par العربي الجديد (@alaraby_ar)
وانطلقت شرارة هذا الحراك في الداخل الفلسطيني من مدينة سخنين، قبل أيام، حين تعرّض صاحب أحد المحال التجارية، علي زبيدات، لإطلاق نار من قبل مجرمين حاولوا ابتزازه وفرض إتاوة عليه. وإثر ذلك، أعلن إغلاق محله إلى أجل غير مسمّى، في خطوة سرعان ما تحوّلت إلى فعل احتجاجي رمزي واسع.
وفي ظل الواقع الأليم الذي يعيشه المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني لقي هذا الموقف تضامناً واسعاً ومتسارعاً من أصحاب محال تجارية أخرى في مدينة سخنين، قرروا بدورهم إغلاق محالهم التجارية رفضاً للابتزاز والعنف. ومع اتساع رقعة التضامن، اكتسبت المبادرة زخماً أكبر، لتعلن بلدية سخنين والهيئات الشعبية فيها الإضراب العام في المدينة تجاوباً مع المطلب الشعبي. كما انخرطت في هذه الخطوة مجموعات من الأطباء والصيادلة والمحامين وغيرهم من أبناء المدينة.
ولم تقتصر أصداء هذه الخطوة على مدينة سخنين، بل امتدّت إلى بلدات عربية أخرى في الداخل الفلسطيني أعلنت انضمامها إلى الإضراب. كما أعلنت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، من خيمة الاعتصام في سخنين، مساء أمس، الإضراب العام والشامل في المجتمع العربي اليوم باعتباره خطوة أولى ضمن مسار تصعيدي أوسع، يتضمن إجراءات نضالية إضافية في المرحلة المقبلة، ولا يستبعد الوصول إلى إعلان العصيان المدني في مرحلة لاحقة.
وقال علي زبيدات، مالك عدد من المصالح التجارية في سخنين إنّ "أكثر من 200 رصاصة أُطلقت باتجاه متجري. لو كان هناك أشخاص في المكان لحظة إطلاق النار، لأدى ذلك حتماً إلى سقوط قتلى وجرحى". وكشف زبيدات أنه تلقى تهديدات خطيرة تطاول حياته، موضحاً أن الهدف منها كان إجباره على دفع أموال الخاوة (الإتاوة).
وأضاف: "أنا أرفض ذلك، فهذا مصدر رزقنا ويجب أن نحميه من هذه التوجّهات". وأضاف أنه تفادياً للمخاطرة وحفاظاً على سلامة الناس، قرر إغلاق محاله التجارية". وشدد على أن "الشرطة لا تساعدنا للأسف، وبالمقابل، لا يمكننا أن نصمت أكثر". كما أثنى زبيدات على حالة الالتفاف الواسعة التي شهدتها معظم البلدات العربية حول مبادرته العفوية، معتبراً أن ذلك يعبّر عن وجع الناس ويعكس حال المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، ومدى توقه للأمن والأمان.
وجاء إعلان الإضراب، بحسب رئيس لجنة المتابعة د. جمال زحالقة، "من خيمة العزة والكرامة في سخنين المنتفضة ضد العنف والجريمة، ومن أجل حق مجتمعنا العربي بالحياة والأمن والأمان". وأثنت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية على الحراك الشعبي الذي يجتاح البلدات العربية، والزخم الكبير الذي يكتسبه الاحتجاج، ودعتا لمشاركة واسعة في التظاهرة الاحتجاجية التي تُنظّم اليوم الخميس أمام مركز شرطة ميسغاف". وأوضح زحالقة أن إعلان الإضراب "اكتسب شرعيته من الفعل الشعبي ومن ألمنا وواقع مجتمعنا الغارق بالدماء".
وجاء في البيان الصادر عن لجنة المتابعة: "يا أبناء شعبنا، يا من تتوقون للعيش بأمان، هذه فرصتنا لتوحيد صفوفنا وإعلاء صرختنا، لتكون أعلى من أزيز الرصاص، وأقوى من المجرمين وإجرامهم المنظم، وتواطؤ المؤسسة الإسرائيلية معهم". وجاء القرار أيضاً مدعوماً من قبل لجان شعبية من المدن والقرى العربية كافة التي أعلنت الإضراب أيضاً، فضلاً عن اللجنة القطرية لأولياء أمور الطلاب العرب.
من جهته، اعتبر رئيس بلدية سخنين واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في الداخل الفلسطيني مازن غنايم أن "ما يحدث في المجتمع العربي عموماً، وفي سخنين خصوصاً، ليس أمراً عادياً. كل يوم وكل ليلة يتجول أشخاص في الشارع الرئيسي، يطلقون النار، ويحرقون المحال التجارية. بل أكثر من ذلك، يصوّرون أنفسهم وينشرون ذلك، ولا يحسبون حساباً لأحد. أين الدولة ومؤسساتها وشرطتها؟!".
تضييق الشرطة
من جهتها سعت الشرطة الإسرائيلية إلى فرض قيود تحدّ من فعالية التظاهرة الغاضبة في الداخل الفلسطيني أمام مركز شرطة ميسغاف، للمطالبة بالعيش بأمن وأمان وحياة كريمة وحثّ الشرطة على كبح الجريمة ووقف التواطؤ مع المجرمين وعصابات الإجرام.
وفي السياق، يترافع مركز عدالة الحقوقي، اليوم الخميس، أمام المحكمة العليا، ضمن التماس عاجل قدّمه مساء أمس باسم رئيس بلدية سخنين مازن غنايم طعناً في قرار الشرطة القاضي بفرض تقييدات تمنع وصول المسيرة الاحتجاجية المقررة اليوم إلى المفترق المؤدي إلى محطة شرطة ميسغاف.
أكثر من 2500 قتيل
تشير معطيات صادرة عن هيئات مختصّة إلى أن عدد ضحايا جرائم العنف في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني تجاوز 2500 قتيل منذ عام 2000 وحتى مطلع عام 2026، في ظل تصاعد حاد خلال الأعوام الخمسة الأخيرة على وجه الخصوص. فمع نهاية عام 2025، فقد المجتمع العربي في الداخل 249 من أبنائه في جرائم قتل، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق، فيما تبدو وتيرة القتل أكثر تسارعاً مع مطلع العام الجديد، حيث سُجّل نحو 20 قتيلاً خلال أيام قليلة فقط.
ومن اللافت الانخفاض الشديد في نسبة حلّ الجرائم، إذ لم تتمكّن الشرطة الإسرائيلية، رغم الإمكانات الواسعة التي تمتلكها، من فك رموز سوى 38 جريمة قتل فقط من مجمل جرائم عام 2025. ولم تكن الأرقام أفضل في الأعوام السابقة، حيث حُلّت 44 جريمة فقط من أصل 233 جريمة عام 2024، فيما لم يُكشف سوى عن 29 جريمة من بين 242 جريمة قتل سُجّلت عام 2023.

أخبار ذات صلة.
يايسله: حسين عبد الغني «أسطورة»
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة