عربي
كيف يمكن للحب أن يتشكّل في عالمٍ يتآكل فيه المعنى يومًا بعد يوم؟ وكيف تستطيع العلاقة الإنسانية أن تجد مبرّرًا للاستمرار داخل زمنٍ فقدت فيه الثقة بالقيم الكبرى، وفي الوعود التي كانت تمنح الوجود تماسكه؟ وهل يمكن للحب أن يكون أكثر من تجربة عاطفية عابرة داخل واقعٍ تحكمه السرعة، والهشاشة، والخوف من الالتزام؟ هذه الأسئلة لا تنبع من قلقٍ عاطفي طارئ، وإنما من تحوّلٍ عميق أصاب علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم من حوله. فقد وجد الإنسان المعاصر نفسه داخل فضاءٍ وجودي مفتوح على اللايقين، حيث تراجعت المرجعيات الأخلاقية الكبرى، وتآكلت السرديات التي كانت تمنح الحب معنى الاستمرارية والالتزام والمصير المشترك. داخل هذا السياق، لم يعد الحب وعدًا بالخلاص أو طريقًا نحو الاكتمال، بقدر ما أصبح تجربة تُختبر تحت ضغط الزمن المتسارع، وتُقاس بقدرتها على الصمود أمام الخوف من الفقدان والانكسار.
إن التفكير في الحب اليوم يفرض مساءلة موقعه داخل عالمٍ يختزل العلاقات في المنفعة واللذة المؤقتة، ويحوّل الارتباط الإنساني إلى مخاطرة وجودية، حيث يصبح اختيار الآخر فعلًا واعيًا بالهشاشة، ورهانًا أخلاقيًا داخل زمنٍ يتآكل فيه المعنى وتغيب فيه اليقينات.
يظهر الحب في زمن اللامعنى داخل أفقٍ وجودي مضطرب، حيث لم تعد الحياة محكومة بسردية واحدة تفسّر الألم وتمنح الفقدان معنى. في هذا السياق، يصبح الحب فعلًا يقع في قلب التناقض: توقٌ عميق إلى الارتباط من جهة، ووعيٌ دائم بقابلية كل شيء للانهيار من جهةٍ ثانية. هذا التوتر يجد جذوره في ما صاغه ألبير كامو حول "العبث"، حيث يواجه الإنسان عالمًا لا يقدّم تبريرًا لآلامه ولا يمنحه يقينًا أخلاقيًا. إذ يقول كامو في كتابه أسطورة سيزيف: "العبث هو هذا الانفصال بين توق الإنسان إلى المعنى ولامعقولية العالم". داخل هذا الانفصال، لا يختفي الحب، وإنما يفقد طابعه الخلاصي، ويتحوّل إلى تجربة إنسانية خالصة، محكومة بالزمن والهشاشة. في عالمٍ فقد معناه الشامل، لم يعد الحب امتدادًا لنظامٍ أخلاقي أو ديني يمنحه الشرعية والاستمرارية، بل اختيارًا حرًا يتم داخل فراغٍ قيمي نسبي.
في هذا الصدد، يبرز تصوّر جان بول سارتر للحب باعتباره علاقة مشروطة بالحرية والمسؤولية. ففي كتابه "الوجود والعدم" يؤكّد أن العلاقة مع الآخر تنطوي دائمًا على توترٍ بين الرغبة في الامتلاك واحترام حرية الآخر. وبالتالي، فالحب داخل هذا الأفق لا يستطيع أن يعد بالدوام، لأنه يقوم على التقاء حريّتين، وكل حرية تحمل إمكانية الانسحاب والتغيّر. هذا الوعي لا يقتل الحب، بقدر ما يجعله أكثر جدّية، لأنه يُبنى على القبول المسبق بعدم اليقين.
لكن أزمة الحب في زمن اللامعنى لا تنفصل عن التحوّلات الاجتماعية والثقافية العميقة، حيث إنه مع صعود القيم الرأسمالية كالفردانية، وتفكّك الروابط التقليدية.. صار الإنسان يميل إلى علاقات أقل التزامًا وأكثر قابلية للانفصال. لقد حلّل زيغمونت باومان هذا الوضع حينما تحدّث عن "سيولة العلاقات" في عمله "الحب السائل"، مؤكّدًا أن الخوف من الارتباط العميق نابع من الرغبة في الحفاظ على أكبر قدر من الحرية الشخصية. داخل هذا المنطق، يصبح الحب تجربة مؤجّلة، أو مشروعًا مؤقتًا، يخضع لحسابات المنفعة النفسية والراحة الذاتية.
ورغم ذلك، لا يمكن اختزال الحب في زمن اللامعنى في مجرد نتيجة حتمية لانهيار القيم الكبرى. فالحب في جوهره يظل أحد آخر الأفعال التي تقاوم منطق العدم، حيث إن اختيار الآخر في عالمٍ بلا ضمانات يمثّل موقفًا أخلاقيًا صامتًا، يرفض الاستسلام الكامل للفراغ والعبث. وقد عبّر سورين كيركغارد عن هذا البعد حين رأى في الحب فعلًا يتجاوز المنطق النفعي، مؤكّدًا في كتابه "أعمال الحب" أن الحب لا يقوم على التبادل أو المكافأة، وإنما على قرار داخلي بالاعتناء بالآخر، حتى في غياب اليقين أو الاعتراف.
في هذا الإطار، يتحوّل الحب إلى تجربة تعرية وجودية، حيث يواجه الإنسان ضعفه، وخوفه من الفقدان، وعجزه عن السيطرة. هذا المعنى يتقاطع مع تصوّر إيمانويل ليفيناس للعلاقة مع الآخر، حيث لا يكون اللقاء بحثًا عن الاكتمال، بل انفتاحًا على مسؤولية غير مشروطة. في كتابه "الزمن والآخر"، يؤكّد ليفيناس أن الآخر يفرض حضوره بوصفه نداءً أخلاقيًا، لا بوصفه موضوعًا للرغبة أو الامتلاك. وعليه، فالحب داخل هذا الأفق يصبح اعترافًا متبادلًا بالهشاشة، لا سعيًا للهيمنة أو الذوبان.
كما أن الحب في زمن اللامعنى لا يعد بالسعادة الدائمة، ولا يرفع المعاناة عن الوجود، لكنه يمنح الحياة كثافة خاصة. إنه لا يملأ الفراغ، بقدر ما يجعل الفراغ قابلًا للعيش. لأن العاشقين لا يهربان من عبث العالم، وإنما يواجهانه معًا، عبر مشاركة الخوف، والقلق، والرغبة في الاستمرار. هذا الاشتراك يمنح الوجود بعدًا إنسانيًا، حتى في غياب المعنى الكلي.
في الأخير، يمكن النظر إلى الحب كفعل مقاومة هادئة ضد التشييء، وضد اختزال الإنسان في وظيفته أو نفعه أو قدرته على الاستهلاك والإنتاج. لأن الحب يعيد للذات إنسانيتها عبر الاعتراف بضعفها وحاجتها إلى الآخر، لا عبر إنكار هذا الضعف أو التستّر عليه. إنه اختيار يمنح للزمن قيمة تختلف عن منطق السرعة والتراكم، ويمنح للحضور كثافة تتجاوز الاستعمال العابر للعلاقات. صحيح أن الحب لا يعد بخلاصٍ نهائي ولا يعد بإلغاء القلق الوجودي، لكنه يفتح أفقًا للمعنى داخل عالمٍ تآكلت فيه المعاني الكبرى. كما أنه معنى هش، قابل للانكسار، لكنه معنى يُبنى بالفعل والمشاركة والالتزام اليومي، حيث إن البقاء مع الآخر، رغم إدراك هشاشة كل شيء، يتحوّل إلى موقفٍ أخلاقي شجاع، يواجه الفراغ بالاعتراف، واللايقين بالثقة، والعبث بإرادة الاستمرار. وهكذا، يمسي الحب أحد آخر الأشكال الممكنة للدفاع عن الإنسان، لا كفكرة مجردة، وإنما ككائن يعيش، ويخطئ، ويخاف، ويختار رغم كل شيء أن لا يكون وحيدًا في عالمٍ يتآكل فيه المعنى.