"ساحر الغراب"... ما رواه نغوغي وا ثيونغو عن الاستبداد
عربي
منذ يوم
مشاركة
داخل سجن، بدأ الروائي الكيني نغوغي وا ثيونغو كتابة أول رواية له بلغته الأم (الغيكيّو)، وهي رواية "الشيطان على الصليب"، في تجربة ارتبطت لاحقاً بمشروعه الروائي، ومكانته في أدب ما بعد الاستعمار. كذلك رواية "ساحر الغراب" التي صدرت ترجمتها العربية حديثاً عن مجموعة كلمات في جزأين، بترجمة أسامة جاد، كتبها نغوغي بلغته الأم، ثم ترجمها بنفسه إلى الإنكليزية. وكان لقراره الكتابة بلغته الأم تأثير على استقبال أعماله في بلده، فحُظرت رواياته، وانتهى إلى المنفى والعمل الأكاديمي في الولايات المتحدة. ولاعتباره اللغة "ساحة صراع"، وأن قهر المستعمِر للمستعمَر، يتم عبر اللغة، مثلما يتم بالرصاص، تمثّل "ساحر الغراب" إحدى أكثر السرديات الأفريقية طموحاً في نقد تجارب الاستبداد في الأنظمة التي أعقبت التحرر من الاستعمار. وقد استلهم نغوغي شخصية الحاكم/الطاغية من نماذج متعدّدة لديكتاتوريي ما بعد الاستعمار، من بينهم: عيدي أمين، وموبوتو، وبينوشيه، وسوهارتو. الرواية نصّ متخيَّل يجمع في موضوعه وأسلوبه، روح أفريقيا السحرية الساخرة. فمنذ صفحاتها الأولى، يعلن حاكم "الجمهورية الحرة في أبوريريا" -وهي دولة متخيَّلة- عن مشروع فانتازي يتمثّل في بناء أعلى مبنى في العالم تحت شعار "المسير إلى السماء". في اللحظة ذاتها، يستيقظ شاب عاطل عن العمل يُدعى كامِتي ليجد نفسه في مكبّ للنفايات، تطارده الشرطة، فيعلّق لافتة على منزله توهم المطاردين بأن البيت يسكنه ساحر. وما يبدأ خدعةً للهروب من الشرطة، سرعان ما يتحوّل إلى حقيقة اجتماعية، مع توافد الفقراء والمرضى إليه طلباً للعلاج. بهذه الصورة، يعمل كامِتي معالجاً بالأعشاب، وبالكلمات، ويدّعي أن لديه أنفاً حساساً لروائح الفساد، كما يشخّص عللاً نفسية وثقافية، ومن هذه العلل "داء البياض"، وهو توق مرضي لدى بعض السكّان بالتحوّل إلى أوروبيين، مع ما يمثّله ذلك من تماهٍ مع المستعمِر. ومن خلال هذه الكشوفات الطبية والنفسية، يصوّر نغوغي آليات استلاب الأفراد، ويفكّك علاقاتهم ببنية الحكم. وعلى مستوى الشكل، تعتمد الرواية على إيقاع قريب من الأدب الشفهي الأفريقي، عبر فصول قصيرة، ومواقف ذات طابع مسرحي، توحي بأن الحكاية كُتبت لتُروى وتُسمَع وتُؤدَّى أمام جمهور. و"ساحر الغراب" رواية عن الاستبداد، في الوقت نفسه، عن قدرة المجتمع الخاضع له على ابتكار شخصية مقابلة للمستبد، وهي شخصية الساحر، الذي يتحوّل من خدعة إلى حقيقة اجتماعية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية