عربي
عادت شهية المخاطرة إلى الأسهم الأميركية في وول ستريت، مدفوعة بتراجع حدة التوترات الجيوسياسية وتجدّد الزخم حول أسهم الذكاء الاصطناعي، في مشهد أعاد للأسواق نبرة التفاؤل، وإن لم يُلغِ القلق الكامن تحت السطح. فبين مكاسب المؤشرات الكبرى وتحركات الأصول الآمنة، بدت الأسواق وكأنها تحتفل لكن بعينٍ على المخاطر. وفي التفاصيل التي أوردتها بلومبيرغ، واصلت الأسهم الأميركية صعودها، مع تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تهديدات جمركية جديدة، ما منح المستثمرين متنفساً مؤقتاً، ودفعهم مجدداً إلى الرهان على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بنسبة 0.7% في التعاملات الصباحية في نيويورك، فيما صعد ناسداك 100 بالوتيرة نفسها، مدعوماً بمكاسب قوية لأسهم شركات الرقائق والأسماء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، أظهرت تحركات الذهب وسندات الخزانة تذبذباً، في إشارة إلى أن الحذر لا يزال حاضراً رغم موجة الصعود. وجاء تحسن المعنويات عقب تصريحات للأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) أشار فيها إلى تحقيق اختراق في ملف غرينلاند، مع التركيز على أمن منطقة القطب الشمالي بدلًا من الجدل حول السيادة، ما خفف من حدة التوتر مع واشنطن.
ورغم هذا التفاؤل، حذّر استراتيجيون في أسواق الأسهم الأميركية من الإفراط في الرهان على هدوء مؤقت. ونقلت بلومبيرغ عن جاي وودز، كبير استراتيجيي الأسواق في "فريدوم كابيتال ماركتس"، وصفه ما يحدث بأنه "تداول سريع على طريقة تراجع ترامب عن التصعيد"، معتبراً أن الأسواق قد تواجه سيناريو "الذئب الذي صرخ كثيراً"، حيث تتحول التهديدات يوماً ما إلى واقع يفاجئ المستثمرين.
في المقابل، أشار محللو جيه بي مورغان إلى غياب دلائل على انسحاب رؤوس الأموال الأجنبية من الأصول الأميركية، رغم التوترات الجيوسياسية الأخيرة، ما يعزز فكرة أن الأسواق الأميركية لا تزال الوجهة المفضلة لرأس المال العالمي. وتلقت الأسهم دعماً إضافياً من بيانات اقتصادية قوية، أظهرت أن الاقتصاد الأميركي ما زال يتمتع بمرونة لافتة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة سنوية مُعدّلة بلغت 4.4%، وهي الأسرع في عامين، فيما استقرت طلبات إعانة البطالة عند مستويات منخفضة، في مؤشر على متانة سوق العمل.
في قطاع التكنولوجيا، عززت عودة "سردية الذكاء الاصطناعي" موجة الصعود، مع ارتفاع أسهم شركات الرقائق بعد تصريحات إيجابية من إنفيديا، إلى جانب تقارير أفادت بأن شركة أنثروبيك ضاعفت تقريباً وتيرة إيراداتها منذ الصيف الماضي، ما عزز التوقعات باستمرار تدفق الاستثمارات إلى هذا القطاع. كما سلّطت مناقشات حول تمويل جديد محتمل لشركة أوبن إيه آي، وخطط علي بابا لإدراج وحدة الرقائق التابعة لها، الضوء على شدة المنافسة وحجم رؤوس الأموال المتدفقة إلى صناعة الذكاء الاصطناعي عالمياً.
ورغم أن أسهم الذاكرة والتخزين باتت من أكثر الصفقات رواجاً في السوق، فإن المستثمرين لا يبدون قلقاً كبيراً حيال ارتفاع تقييماتها، على اعتبار أن الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي غيّرت طبيعتها الدورية التقليدية، وفق الوكالة. إلا أن أصوات التحذير لم تغب. فقد نبّه محللو غولدمان ساكس إلى أن البيئة الداعمة للأسهم باتت أكثر تعقيداً، في ظل تمركز استثماري مرتفع، وعودة "مقامرة العناوين السياسية"، إضافة إلى سوق سندات تستوجب مراقبة دقيقة. وأشار توني باسكارييلو، الشريك ورئيس تغطية صناديق التحوط عالمياً في البنك، إلى أن المستثمرين الأفراد والمحترفين "رفعوا مستوى المخاطر بشكل ملحوظ"، بحسب بلومبيرغ.
وفي سوق الخيارات، يستعد المتداولون لتحركات حادة محتملة، مع ارتفاع الرهانات على تقلبات كبيرة في الأسعار، سواء هبوطاً أو صعوداً، بحسب مسار التوتر مع أوروبا. وسجّل الاهتمام بخيارات الشراء على مؤشر التقلبات (VIX) مستوى من بين الأعلى منذ مارس/آذار. وعلى صعيد الشركات، تباين الأداء، إذ هوت أسهم أبوت لابوراتوريز بعد توقعات أرباح مخيبة للآمال، فيما صعدت أسهم بروكتر أند غامبل رغم تباطؤ نمو المبيعات، في إشارة إلى حذر المستهلك الأميركي. كما تراجعت أسهم جنرال إلكتريك بعدما فشلت توقعات أرباح 2026 في إبهار المستثمرين. في المقابل، ارتفعت أسهم ألفابت عقب ترقية تصنيفها من قبل "رايموند جيمس"، وقفزت أسهم فينتشر غلوبال بعد فوزها بنزاع قانوني مع شركة "ريبسول" الإسبانية بشأن شحنات الغاز الطبيعي المسال.
