النساء في حياة بيكاسو.. مراجعة نقدية متأخرة
عربي
منذ يومين
مشاركة
على خلاف ما كان عليه الحال لعقود من الزمن، حيث جرت العادة على ذكر النساء في حياة بابلو بيكاسو، ملهمات ورفيقات للفنان العبقري، لا باعتبارهن فنانات بدورهن، أو نساء مستقلات بذواتهن؛ بدأ عدد من المتاحف والمؤسسات الفنية حول العالم بمراجعة هذه النظرة، وإعادة الاعتبار لهن، وبشكل خاص منذ الذكرى الخمسين لرحيل الفنان عام 2023، حيث خُصص جزء من أنشطتها لهذا الجانب، ما فتح الباب أمام معارض أخرى تطرح مراجعات مشابهة لا تزال مستمرة حتى اليوم. من بين هذه التظاهرات الفنية، معرض "إنه بابلو ماتيك: بيكاسو من وجهة نظر هانا غادسبي" الذي استضافه متحف بروكلين للفنون في نيويورك. لم يكتفِ المعرض بعرض أعمال بيكاسو أو الاحتفاء بتأثيره، بل وضع اسمه منذ البداية داخل عنوان ساخر ومركّب، يلمّح إلى تفكيك أسطورة الفنان الإسباني المحصَّن من النقد، لا إعادة إنتاجها. صحيح أن هذه المبادرات لم تنطلق جميعها من منظور نقدي، لكنها اشتركت في مقاربة نسوية ومعاصرة أعادت قراءة إرث الفنان من زاوية مختلفة، تسعى إلى إعادة الاعتبار للنساء اللواتي شاركن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل صورة أحد أكثر فناني القرن العشرين تأثيراً وإثارة للجدل. في هذا السياق، بدأ متحف بيكاسو الباريسي مؤخراً مراجعة السرد المتحفي التقليدي، عبر إدخال أعمال الفنانة الفرنسية فرانسواز جيلو ضمن العرض الدائم، وإعادة ترتيب المراحل الفنية، وإضافة مواد تفسيرية تربط الأعمال بسياقها الإنساني. الهدف المعلن من هذه الخطوات ليس محاكمة بيكاسو بأثر رجعي، بل تقديم قراءة أكثر شمولاً من دون تجاهل الأثمان الشخصية التي دفعتها فنانة ارتبط بها عاطفياً لفترة طويلة. على امتداد عقود طويلة، قُدِّمت علاقات بابلو بيكاسو بالنساء بوصفها جزءاً من صورة الفنان المتمرّد، الذي يعيش الحياة بكثافة، ويحوّل تجاربه الشخصية إلى مادة فنية خالصة. غير أن هذا التصور، الذي فصل طويلاً بين الريادة الفنية وبين أثمانها الباهظة بدأ يتصدّع مع صعود قراءات نقدية معاصرة، ولم يعد السؤال اليوم محصوراً في تأثيرهن في لوحاته فحسب، بل في طبيعة هذه العلاقات نفسها، وفي اختلالات القوة التي حكمتها، وفي مدى إمكان قراءة الفن بمعزل عن شروط إنتاجه الإنسانية. فمنذ سنواته الأولى في باريس، بدا بيكاسو فناناً لا يفصل بين حياته الخاصة وفضائه الإبداعي؛ المرأة التي تدخل حياته تدخل، بالضرورة، اللوحة، لكن العلاقة نادراً ما تكون متكافئة. الفنان يحتفظ بالمركز، فيما يُعاد تشكيل المرأة داخل العمل الفني، غالباً من دون صوت موازٍ خارج إطار الصورة. وتكتسب شهادات النساء اللواتي ارتبطن به أهمية استثنائية، بوصفها مفاتيح لقراءة التحولات الفنية نفسها. مع فرناندي أوليفييه، التي رافقته بين عامي 1904 و1912، تتقاطع الشهادة مع مرحلة التكوين والانتقال من الفترة الزرقاء إلى الوردية ثم بدايات التكعيبية. في مذكراتها، ترسم أوليفييه صورة لفنان شديد الغيرة، قلق من استقلال المرأة، في زمن كان فيه لا تزال مكانته الفنية وأوضاعه الاقتصادية هشّة. ينعكس هذا التوتر في أعمال تلك المرحلة، حيث تظهر المرأة محمّلة بثقل الفقر والعزلة، لا بوصفها موضوع افتتان بقدر ما هي شريكة صامتة في القلق الوجودي. مع دورا مار في ثلاثينيات القرن العشرين، يبلغ هذا التداخل بين الفن والعلاقة الإنسانية ذروة أكثر قتامة. مار، المصوّرة والفنانة السريالية والمثقفة، لم تكن مجرد عشيقة، بل فاعلة في المشهد الفني والسياسي. غير أن حضورها في لوحات بيكاسو تحوّل إلى أيقونة للألم، خصوصاً في سلسلة لوحاته "المرأة الباكية" (1937). خلف هذا الوجه المشوَّه بصرياً، كانت علاقة غير متكافئة انتهت بانهيارات نفسية طويلة دفعت مار إلى الانسحاب شبه الكامل من المشهد الفني. ترسم أوليفييه صورة لفنان شديد الغيرة، قلق من استقلال المرأة أما فرانسواز جيلو التي ارتبطت ببيكاسو بين عامي 1943 و1953، فتقدّم حالة مختلفة. فهي ليست فقط المرأة التي أنجبت منه طفلين، بل الفنانة الوحيدة التي غادرت حياته بقرار واعٍ. في مذكّراتها "حياتي مع بيكاسو" (1964)، تصفه كما عاشت معه: "رجل يمارس سلطة نفسية دقيقة، ويحتاج إلى إبقاء المرأة في موقع التابع للحفاظ على توازنه". والمفارقة أن هذه الشهادة تتقاطع مع مرحلة فنية اتسمت، شكلياً، بقدر من الصفاء اللوني والهدوء البنائي، ما يفتح سؤالاً إشكالياً حول الفجوة بين تحرّر الشكل واستمرار الهيمنة في الواقع. تبرز محاولة متزايدة لإعادة الاعتبار للنساء اللواتي ارتبطن ببيكاسو، لا بوصفهن ملهمات فقط، بل فاعلات في مشهد ثقافي معقّد. العديد من المعارض والكتب التي صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية تسعى إلى تقديم سيرهن وأعمالهن الفنية المستقلة، بعيداً عن الظل الطاغي للفنان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية