ما الذي استعان به جحا كي يركب "الترند"؟
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
لم يكن جحا يمتلك، بالطبع، كاميرا غالية الثمن، ولم يكن في منافسةٍ بالطبع لا مع كروان مشاكل، ولا مع أبي نواس، ولا مع ليلى الأخيلية، ولا مع أحفاد شعبان عبد الرحيم. هل كان جحا يكتب نوادره، أم أن نوادره كانت تأتيه عفو الخاطر في مجالسه وطرقاتِه وتجارته التي لم ينجح في واحدةٍ منها قط؟ هل كان جحا يمتلك ذلك البساط الذي يشبه "بساط الريح"، ما سهّل عليه التأليف، وجاءته المبالغات طيّعةً وراقصةً في مجالسه؟ لم تكن هناك كاميرات. بالطبع، كان هناك بعض الوجهاء والأمراء وأحياناً الملوك، أو من ينوب عنهم من الشعراء والمغنّيات والصعاليك، كي تنتشر موجات الدعابة والضحك في الممالك، وخصوصاً في أوقات الجدب والهزائم والحروب. فماذا كان يفعل جحا ساعتها إن ضاقت به تلك المجالس؟ كانت له نوادره مع كلابه، وبالطبع قططه وعوزه وجيرانه الثقلاء ولقمة عيشه وبرد الشتاء وحرارة الصيف والبخلاء أيضاً. بالطبع، لم تكن لجحا أيّ مشكلة لا مع مصلحة الجوازات، ولا الجمارك، ولا حرس الحدود؛ لأنه تاجر في برّ الشام، وبعدما خسرت تجارته عاد بعشرين كلباً، وعلّق في رقبة أجملها طوقاً من حديد كي يقنع والده بمكاسب التجارة، وأن فلوسه لم تضع هدراً. كانت البلدان طيّعة وسهلة، وهو ينتقل من خان إلى خان، وحدائق الشام وارفة. كانت حكاياته تتساقط عليه كالمطر أو كبعران النوق، وهو في مجلسه يحكي بجوار خيمة، والنجوم هناك تساعده في مدّ خيوط الحكاية التي لا تحدث أبداً إلا من فم جحا. كان جحا يحسّ القبول فائضاً لديه حتى قبل أن يحكي نوادره، أو قل: قبل أن تولد نوادره أمامه فوق بساط الريح. ولا تعرف لماذا، رغم ذلك كلّه، أراه من الحزانى أو التعساء أو من أصحاب الحظّ القليل. هل أصحاب الحظّ القليل لهم في نعمه النادرة أكثر من الوجهاء والجالسين فوق كنوزهم؟ هل كانت تلاحقه وكالات الأنباء البدائية على حدود البلدان الصغيرة، وتأخذ من فمه نوادره الطيّعة نظير تكملة الرحلة أو نظير المبيت في بيت صغير تحرسه الكلاب والجرذان؟ أحياناً، تضيف الطبيعة الخشنة إلى مزاج التعساء ذلك الفيض من الحكايات النادرة التي تغلّف حكاياتهم الأولى، التي خرجوا بها من بلدانهم سعياً وراء الأرزاق، خاصّةً أن الشرق كان مفتوحاً على الغرب. وأظنّ أن بساط الريح الملازم لقفطان جحا كان لا يهمّه لا البندقية ولا السيف، حتى وإن ظلّ في بيت تحرسه الجرذان والكلاب في جبل المقطّم، أو في برّ الشام، أو في طريق الحرير، أو الأربعين. هل النادرة تحمي صدر صاحبها من الأذى في الطرقات؟ لماذا كلّما تقدّمت بنا الأيام، رغم وفرة عوائد "اللايكات والشير" عند كروان مشاكل، وشبيهة زبيدة ثروت، وشبيه عبد الحليم حافظ "العندليب الأبيض"، كائنات تخرج من باطن الأرض فجأة: تقيم الحفلات، وتتحطّم السيارات، وتقيم حفلات زواج، وينفضّ الزواج على لعبة اسمها "ركوب الترند"؟ أظنّ أن وراء تلك الألعاب شبه السخيفة سلطة صانعة تتخفّى للإلهاء، أو لإزاحة الهموم بطريقة خشنة تنقصها الفكاهة كما كنّا نلمسها في نوادر جحا، التي كان يعيشها الرجل هناك بكامل سخاء الطبيعة والضحك معه، ولم يكن في حاجة لا إلى قاعات، ولا كاميرات، ولا أولاد شعبان عبد الرحيم، ولا إلى عمرو موسى، ولا إلى شبيه عبد الحليم حافظ أو زبيدة ثروت. هل قلّ رصيد أهل مصر من الضحك؟ وهل بخل النبع عليهم بسبب الحال، فلم يجدوا سوى كروان مشاكل وزمرته الخارجة من قاعات أحفاد مقهى بعرة بعد الورنيش والتعديل والكاميرات؟ ... نحن أمام حالة صعب علينا رصد التعاسة فيها، وصعب علينا أيضاً رصد دور الشبكات الخفيّة التي تتولّى بناء هذا وتديره، وتتكفّل بحرق الاستديو وإعادته في الصباح التالي للتصوير كما كان. حالة أشبه بذلك الضحك السائل الذي يتشابه مع الحبّ السائل والنخوة السائلة والوطنية السائلة، التي تنتهي بمسك الأعلام أمام اللجان نظير وجبة، أو حمل البيادة (الحذاء العسكري) فوق الرأس في الميادين؛ الرأس أو العقل الذي كرمه الله بالطبع. ضحك سائل ليس من معين التعب أو الجري وراء لقمة العيش؛ ضحك تؤلّفه الكاميرا ويسيل لعابه وراء "الترند"، وتحرسه عائلات ثرية بالطبع، جمعت ثروات من خلال الفنّ والمسلسلات وملايين رمضان. ضحك تعيس تصنعه الكاميرا في القاعات بعد تمزيق الفساتين والبنطلونات؛ ضحك يشبه تماماً تعاسة العنف الكامن في المدارس، وجرائم تقطيع تلميذ لتلميذ صديقه بالمنشار. عنف يطمع هو الآخر وراء الكاميرا والعولمة وقاعات المحاكم والشهرة والاعتراف بالذات؛ حتى في ظلّ الجريمة. ومنصّات الإعلام، هي الأخرى، منصوبة ليلاً كي تقول للناس كم هو ذلك المجتمع زائغ عن الجمال والحقّ والأدب والأصول، وكم هي السلطة تتحمّل تلك السخافات راضيةً ومحتسبةً وصابرةً، والله بالطبع لا يضيّع أجر الصابرين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية