عربي
يمكن أن يشكّل تحويل الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز كفاءتها، وجذب الاستثمارات، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. غير أن هذا التحول، على أهميته، يتطلب عناية خاصة في آليات التنفيذ، بما يضمن عدم الإضرار بالعمالة وحماية مصالح المواطنين، إلى جانب ضرورة مراقبة الحكومة لهذه العملية بدقة لضمان تحقيق أهدافها دون المساس بالمصلحة العامة. وينظر إلى قرار وزير المالية السوري محمد يسر برنية القاضي بتحويل الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، خطوة مهمة لتحسين أداء هذه الشركات وتطوير قدرتها التنافسية في السوق. إلا أن بعض الآراء ترى في هذا التوجه ترجمة عملية لوصفات البنك الدولي، ضمن السياسات الاقتصادية المطبقة في عدد من الدول النامية.
إيجابيات التحول
في هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي شادي سليمان، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن قرار تحويل الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة يحمل عدة إيجابيات، أبرزها تحسين الكفاءة التشغيلية، إذ تعاني العديد من الشركات الحكومية من البيروقراطية والفساد وضعف الإدارة، ما ينعكس سلباً على أدائها. وعند تحولها إلى شركات مساهمة، تصبح خاضعة لرقابة السوق والمستثمرين، الأمر الذي يعزز الأداء ويشجع على تطبيق أفضل الممارسات الإدارية.
وأضاف سليمان أن من الإيجابيات أيضاً زيادة مستوى الشفافية، إذ تخضع الشركات المساهمة العامة لمتطلبات أعلى في الإفصاح عن بياناتها المالية، ما يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني ويحدّ من فرص الفساد وسوء الإدارة، نتيجة الرقابة العامة والإعلامية، وأشار أيضاً إلى أن هذا التحول يساهم في تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، من خلال إتاحة الفرصة أمام المستثمرين للمشاركة في نمو هذه الشركات، بما يؤدي إلى زيادة تدفقات رأس المال وتنشيط السوق. كما يعزز التحول التنافسية، إذ تصبح الشركات ملزمة بتحقيق أداء أفضل لضمان عوائد مجزية للمستثمرين.
سلبيات وتحديات
في المقابل، يرى سليمان أن هناك جملة من السلبيات المحتملة، أبرزها فقدان السيطرة الحكومية، إذ قد يؤدي التحول إلى تراجع قدرة الدولة على توجيه هذه الشركات لتحقيق أهداف اقتصادية أو اجتماعية محددة، كما أشار إلى الأثر الاجتماعي على العمالة، حيث قد يدفع دخول مستثمرين جدد أو التوجه نحو الخصخصة إلى تقليص عدد الموظفين، في ظل سعي الشركات الخاصة إلى خفض التكاليف ورفع الكفاءة، ما قد يؤدي إلى فقدان وظائف، خاصة في المؤسسات المعتمدة تاريخياً على التوظيف الحكومي.
ومن بين المخاطر أيضاً الخصخصة المفرطة، إذ قد يفتح تحويل الشركات الباب أمام بيع حصص الدولة بشكل جزئي أو كلي، الأمر الذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى تركّز الثروة بيد فئة محدودة، ما يفاقم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. وأضاف سليمان أن السوق المالية السورية قد تواجه تحديات في استيعاب عدد كبير من الشركات الحكومية المطروحة دفعة واحدة، نظراً إلى ضخامة هذه الشركات، ما قد يسبب تقلبات في أسعار الأسهم واضطرابات في السوق.
هل هو تنفيذ لوصفات البنك الدولي؟
يجيب سليمان بأن قرار وزير المالية السوري ينسجم فعلاً مع بعض التوجهات التي يروج لها البنك الدولي، لا سيما تلك المرتبطة بالتحرير الاقتصادي وتقليص دور الدولة في النشاط الإنتاجي. فالبنك يدعو عادة إلى تخفيف العبء عن القطاع العام وتشجيع الخصخصة أو تحويل الشركات الحكومية إلى كيانات مستقلة أو شبه خاصة، بهدف تعزيز الكفاءة والشفافية وجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام. إلا أن هذه السياسات، بحسب سليمان، ليست خالية من المخاطر، إذ يعترف البنك الدولي نفسه بإمكانية تسببها في زيادة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية إذا لم تُنفذ بتوازن دقيق بين دور الدولة والقطاع الخاص.
خطوات حكومية مرتقبة
وكان محمد يسر برنية قد أعلن العمل على إعداد قانون جديد يقضي بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، تمتلك الدولة كامل أسهمها في المرحلة الأولى، بما يسمح بإخضاعها لقواعد حوكمة صارمة. وأوضح وزير المالية السوري، في منشور على صفحته في فيسبوك، أن وزارة المالية عقدت الأسبوع الماضي ورشة عمل عن بعد مع فرق فنية من مجموعة البنك الدولي، لمناقشة إصلاح قطاع الشركات المملوكة للدولة، ضمن خطة تهدف إلى تحويلها إلى شركات رابحة وتنافسية تساهم في التنمية وتوليد فرص العمل ودعم النمو الاقتصادي.
وتركزت المناقشات، وفق الوزير، على "مراجعة الإطار القانوني الناظم لعمل هذه الشركات، بما يمنحها مرونة واستقلالية مالية وإدارية أكبر، مقابل تعزيز المساءلة وتطبيق مبادئ الحوكمة السليمة"، كما جرى البحث في "إجراء تقييم مالي وفني شامل عبر بيوت خبرة متخصصة لتحديد أوضاع الشركات ونماذج عملها وقابليتها للاستمرار، وصولاً إلى توصيات إصلاحية دقيقة".
وأشار برنية أيضاً إلى عقد ورشة ثانية مع البنك الدولي ناقشت إصلاح نظامي التقاعد والمعاشات في سورية، في ظل توجه حكومي لإعادة هيكلة المؤسستين المعنيتين — المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية — وربما دمجهما بهدف تحقيق الاستدامة المالية. واعتبر الوزير أن الإصلاحات الحالية تعالج "عوارض المرض"، فيما تتطلب المرحلة المقبلة إصلاحات هيكلية عميقة وجريئة تحوّل هذه المؤسسات إلى كيانات مالية فاعلة ومستثمر مؤسسي نشط في السوق السورية، لافتاً إلى أن البنك الدولي سيقدم دعماً فنياً لتقييم أوضاعها بالاستفادة من تجارب عربية ودولية ناجحة.
