غياب قانون الإعلام يعمّق أزمة الصحافة الأفغانية
عربي
منذ يومين
مشاركة
منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، لم يعد غياب قانون للإعلام في أفغانستان مجرّد فراغ تشريعي عابر، بل تحوّل إلى أداة ضبط سياسي وأمني سمحت بتوسّع غير مسبوق في التدخلات الرسمية بعمل الصحافة. فبعد إلغاء منظومة القوانين السابقة، وفي مقدّمها قانون الإعلام الذي كان يكفل حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، بات الصحافيون يعملون في بيئة بلا مرجعية قانونية واضحة، تُدار بالتعليمات الشفهية والوثائق غير الرسمية، وتُفرض فيها القيود بحسب تقدير الجهات الأمنية والإدارية، لا وفق نصوص مُعلنة أو قابلة للمساءلة. فراغ قانوني تقول الصحافية أسماء سروري، في حديثها إلى "العربي الجديد"، إن جوهر حقوق الإعلام "لا يكمن في الشعارات، بل في ترك الصوت الإعلامي يعمل من دون مضايقات أو تهديدات، بما يسمح بنقل الوقائع بموضوعية ومن دون خوف". تشير إلى أن منع مشاركة النساء في العمل الإعلامي يمثّل المثال الأوضح على كيفية استخدام هذا الفراغ القانوني لتقييد المهنة وإفراغها من دورها المجتمعي. يذهب المدير السابق للأخبار في وكالة بزواك، عباسين زهير، إلى أبعد من ذلك، موضحاً أن "طالبان" أعلنت بعد سيطرتها على الحكم التزامها بالقوانين الإعلامية السابقة، قبل أن تتراجع وتَعِد بإعداد قانون جديد لم يرَ النور حتى الآن. غير أنّ المشكلة، بحسب حديث زهير لـ"العربي الجديد"، لا تقتصر على غياب النص القانوني، بل تشمل أيضاً غياب أي جهة قانونية مرجعية يمكن للصحافيين اللجوء إليها عند وقوع خلاف أو انتهاك، ما فتح الباب أمام تدخل مؤسسات رسمية وأمنية لا صلة مباشرة لها بالقطاع الإعلامي. من الوعود إلى السيطرة يرى الصحافي أمير أميري، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن حرية التعبير ليست ترفاً مهنياً، بل شرط أساسي لعمل الصحافة، لأن غيابها يدفع الصحافيين إلى الرقابة الذاتية ويقوّض قدرتهم على نقل الحقائق كاملة. ويؤكد أن الإطار القانوني الواضح هو الضمانة الوحيدة لاستقلالية الإعلام، في ظل واقع تُدار فيه المهنة اليوم بسقوف متغيّرة وغير معلنة. بدوره، يلفت الصحافي سميع الله جهيش إلى أن قانون الإعلام خلال سنوات الجمهورية لم يكن يُطبّق بصورة مثالية، إلا أن الوضع ازداد تعقيداً بعد عودة "طالبان"، مع تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية وإغلاق عدد كبير من المؤسسات الإعلامية، بالتوازي مع هجرة واسعة للصحافيين خوفاً على سلامتهم. ويضيف، لـ"العربي الجديد"، أن الوعود المتكررة بإقرار قانون جديد بقيت في إطار التصريحات، متهماً طالبان بالسعي إلى إخضاع الإعلام لسيطرتها المباشرة. وتعزّز تقارير دولية هذه المخاوف، إذ وصفت منظمات معنية بحرية الصحافة، من بينها "مراسلون بلا حدود"، وضع الإعلام الأفغاني بـ"المقلق"، في ظل القيود المتزايدة وغياب أي ضمانات قانونية تحمي العاملين في هذا القطاع. أرقام تكشف حجم الانهيار في عامها الأول في السلطة، فرضت حكومة طالبان المؤقتة مجموعة من المبادئ الجديدة على وسائل الإعلام ضمن وثيقة من 11 مادة، لم تصدر بمرسوم رسمي، بل أُبلغت بها المؤسسات الإعلامية عبر رسائل مكتوبة. ويؤكد صحافيون أن هذه الوثيقة قيّدت التغطيات الإعلامية وحدّت من الوصول إلى المعلومات، رغم افتقارها إلى أي صفة قانونية ملزمة. ولا تقتصر التدخلات على التغطيات السياسية، إذ أفاد ممثلو وسائل إعلام محلية في عدد من الولايات بإلغاء برامج ترفيهية وثقافية، ما أدى إلى خسارة جمهور واسع وتراجع الإعلانات التجارية، وفاقم الأزمات المالية للمؤسسات الإعلامية. في هذا السياق، يقول الصحافي محمد طاهر سديد الذي عمل سابقاً في قناة خورشيد، لـ"العربي الجديد"، إن حجم التدخلات جعل العمل الإعلامي محفوفاً بالمخاطر، ويشير إلى أن الخوف من الملاحقة والرقابة الذاتية كانا من أبرز أسباب مغادرته البلاد. وتُظهر أرقام جمعية الصحافيين المستقلين حجم هذا النزيف، إذ ترك نحو 8 آلاف من أصل 12 ألف عامل في قطاع الإعلام وظائفهم خلال السنوات الأخيرة، فيما توزّع مئات آخرون بين باكستان وإيران. تبعات مهنية وثقافية يصف الصحافي، محمود كوتشي، المحتوى الإعلامي الحالي بأنه أقل تنوعاً وجرأة مقارنة بالماضي، ويؤكد في حديثه لـ"العربي الجديد" أن كثيراً من القضايا لا تجد طريقها إلى النشر بسبب القيود المفروضة. ويرى أن تدخل الجهات الرسمية وضع استقلالية الإعلام موضع شك، وحرم الجمهور من الاطلاع على معلومات أساسية. بدوره، يعتبر الصحافي محب صافي أن غياب القوانين الإعلامية أجبر الصحافيين على العمل ضمن أطر وضوابط متقلّبة، تحددها السلطات بحسب الظرف السياسي والأمني. أما الأستاذ في كلية الصحافة في كابول، بيت الله حميدي، فيرى أن غياب قانون الإعلام ليس نتيجة إهمال، بل خيار مقصود، يهدف من جهة إلى دفع الصحافيين نحو الرقابة الذاتية، ومن جهة أخرى إلى منح الجهات التابعة لطالبان مساحة أوسع للتدخل في العمل الإعلامي. ورغم إعلان وزارة الإعلام والثقافة في أغسطس/آب الماضي تشكيل لجنة من 11 عضواً للنظر في المخالفات الإعلامية، أقرّ بعض أعضاء اللجنة بعدم وجود آلية واضحة لعملها حتى الآن، ما يعكس استمرار إدارة القطاع بمنطق مؤقت، بلا قواعد ثابتة أو ضمانات مهنية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية