تسوكاسا هوجو... حيوات على هامش المدينة
عربي
منذ يومين
مشاركة
تعرض منصة ديزني بلاس مسلسل أنمي بعنوان "عين الهرّ" (Cat’s Eye)، وهو إعادة إنتاج لأنمي من الثمانينيات يحمل الاسم نفسه، مع الحفاظ على أسلوب الرسوم القديم كما هو. ثلاث شقيقات يعملن في مقهى نهاراً ويسرقن تحفاً فنية نادرة في الليل، يتقنّ حركات بهلوانية خطيرة، واختراعات ممتازة، وكل حلقة هي مغامرة حركية مع كثير من الكوميديا.  "عين الهرّ" هو عمل أيقوني للمانغاكا تسوكاسا هوجو (Tsukasa Hojo)، أحد أهمّ الأسماء التي ساهمت في تشكيل ملامح الأنمي والمانغا في الثمانينيات. بدأ مسيرته في مجلّة Weekly Shōnen Jump، واشتهر بعمليه الأبرزين Cat’s Eye وCity Hunter. في هذين العملين، قدّم شخصيات تعيش على هامش المدينة، تعمل خارج الأطر المؤسسية، وتتحرّك وفق قواعد داخلية واضحة. السرقة والعمل خارج القانون يظهران بوصفهما أدوات سردية مرتبطة بالإيقاع والحركة، مع حضور أخلاقي داخلي يضبط الفعل والشخصية. هذا الأسلوب القائم على البطولة غير البطولية والحكايات المستقلة نسبياً، أي كل فصل مستقل بنفسه تقريباً، منح أعماله قابلية عالية للتكرار وإعادة الاكتشاف. كان City Hunter، ولا يزال، هو العمل الذي ثبّت اسم هوجو خارج اليابان على مدى عقود. السلسلة التي انطلقت في أواخر الثمانينيات قدّمت نموذج البطل الذي يعمل على الهامش، فيعيش من مهمة إلى أخرى، ويتحرّك داخل مدينة يستطيع تطويعها مهما بلغت من تعقيد ليتحرك ضمنها. هذا النموذج، القائم على الحركة والاستقلالية أكثر من التطوّر النفسي التراكمي، منح العمل قابلية عالية للتكييف وإعادة التقديم. على السطح، يبدو City Hunter وكأنه يلتزم بصيغة مألوفة: بطل ذكوري فائق الكفاءة يتنقل في عالم حضري عنيف، مترافقاً مع كوميديا جنسية خفيفة. البطل ريو سايبا قاتل محترف، بارد عاطفياً ومهووس بالنساء. غير أن هذه الازدواجية بالذات هي التي تقوّض النموذج البطولي بدلاً من تعزيزه. شهدت سلسلة City Hunter عدداً كبيراً من الاقتباسات التي ساهمت في ترسيخها واحدة من أكثر أعمال تسوكاسا هوجو حضوراً خارج صفحات المانغا. أما خارج الأنمي، كان أول الأعمال الحية في هونغ كونغ عام 1993 من بطولة جاكي شان، إذ قُدِّم العمل في قالب كوميدي استعراضي مختلف جذرياً عن نبرته الأصلية. ثم عاد City Hunter إلى الواجهة أوروبياً عبر النسخة الفرنسية Nicky Larson et le Parfum de Cupidon (2019)، التي خاطبت جمهوراً تربّى على الأنمي في الثمانينيات والتسعينيات، مع تركيز واضح على الكوميديا والحنين. وأخيراً، جاء الاقتباس الياباني الحديث عبر "نتفليكس" عام 2024 ليكون أول نسخة حيّة محلية تسعى إلى إعادة ربط السلسلة بجذورها الثقافية بروح معاصرة. أما "عين الهرّ"، فقد بدأت السلسلة رحلتها العابرة للوسائط مع المسلسل الأنمي الذي عُرض بين عامي 1983 و1985 في موسمين، وحقق انتشاراً داخل اليابان وأوروبا، خاصة في فرنسا وإيطاليا. وفي عام 1997، قُدّم العمل لأول مرة في نسخة حيّة يابانية، ثم عاد العمل إلى الواجهة الأوروبية عبر المسلسل الفرنسي الصادر عام 2023، الذي أعاد تخيّل الأخوات الثلاث في باريس المعاصرة، مقدّماً قراءة حديثة للشخصيات ضمن سياق ثقافي مختلف. ويُضاف إلى هذا المسار العابر للوسائط فيلم Lupin the Third vs. Cat’s Eye (2023) بوصفه محطة لافتة في تاريخ اقتباسات تسوكاسا هوجو، إذ جمع عالم "عين الهرّ" بعالم اللص الأسطوري لوبان ضمن عمل أنمي أصلي عبر الإنترنت (ONA) وعرض حصرياً على منصة أمازون برايم عام 2023، احتفالاً بمرور أربعين عاماً على صدور مانغا "عين الهرّ".  يبدو أن منصات البث وشركات الإنتاج انتبهت إلى إمكانية اللعب على إرث تسوكاسا هوجو واستثماره في ما هو أبعد من النوستالجيا. فمع أهمية النوستالجيا عنصراً جاذباً للبيع وإعادة التسويق، تمتلك أعماله قابلية مثبتة على العبور بين الأزمنة والوسائط من دون أن تفقد قدرتها على تمثيل توترات المدينة الحديثة. فشخصياته التي تعيش على الهامش، وتعمل خارج البنى المؤسسية، وتحكمها أخلاقيات داخلية صارمة رغم انخراطها في العنف أو السرقة، ما زالت صالحة للقراءة ضمن أسئلة معاصرة حول الجندر، والعنف، والبطولة، والفضاء الحضري. هنا، تكمن قوة هوجو: في أنه لم يقدّم بطولات مكتملة أو عوالم مغلقة، بل صاغ نماذج سردية مرنة تسمح بإعادة التفكير فيها وفق شروط كل زمن. لذلك، فإن استعادة أعماله اليوم لا تتعلّق فقط بذاكرة جيل، بل بقدرة هذه الأعمال على الاستمرار مع أفكار جديدة، وتنويع على الأخلاقيات. هذه الإمكانية هي التي جعلت تسوكاسا هوجو اسماً حياً في الثقافة البصرية المعاصرة، وليس مجرد صفحة من تاريخ الأنمي والمانغا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية