عربي
فرضت الحكومة البريطانية خلال يناير/كانون الثاني الجاري تقييداً على تصدير بعض الأدوية الأساسية، من بينها الأسبيرين ودواء السرطان "إيفوسفاميد"، بعد تسجيل تراجع في المخزون لدى الصيدليات. الإجراء الذي كشفت عنه صحيفة "آي" البريطانية في تحقيق بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2026، تضمّن إدراج هذه العقاقير على قائمة الأدوية التي يُحظر تصديرها أو تخزينها خارج السوق المحلية، في محاولة لضمان استمرارية التوافر للمرضى داخل المملكة المتحدة.
يأتي القرار في لحظة تعاني فيها السوق الدوائية البريطانية من ضغوط متراكمة ترتبط بسلاسل الإنتاج العالمية، وبتحوّلات في اقتصاد الدواء المستند إلى الأدوية الجنيسة منخفضة الهامش. هذه الضغوط لا تقتصر على الأسباب التقنية من تأخير تصنيع ونقص مكوّنات فعّالة، بل تمتد إلى طبيعة التسعير المركزي الذي تعتمد عليه هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) وما يخلّفه من أثر مباشر على جاذبية السوق البريطانية بالنسبة للمصنّعين والمورّدين.
وتُعدّ المملكة المتحدة واحدة من أكثر الأسواق التي تعتمد على الأدوية الجنيسة منخفضة التكلفة، وهي أدوية تحمل المادة الفعّالة نفسها للدواء الأصلي وتدخل السوق عند انتهاء براءة الاختراع. ورغم الفائدة المالية المباشرة لهذا النمط على نظام الصحة العامة، إلا أنّ الفجوة السعرية بين السوق البريطانية وأسواق أوروبية وآسيوية أخرى تضع لندن في موقع تفاوضي أدنى عند التنافس على الإمدادات.
وتشير مصادر مهنية في قطاع الصيدليات إلى أنّ بعض المورّدين يفضّلون توجيه منتجاتهم إلى أسواق أعلى سعراً مثل ألمانيا وهولندا، حيث العقود أكثر مرونة والسعر التعويضي أكثر جاذبية، في حين تبقى بريطانيا ملتزمة بهوامش سعرية منخفضة تساهم في ضبط الإنفاق الصحي بينما تضعف قدرة السوق على جذب الإمدادات في وقت الأزمات.
وفي هذا السياق، تكشف الدكتورة ليلى هانبيك، الرئيسة التنفيذية لـ"جمعية الصيدليات المستقلة" في بريطانيا، في ردّ مكتوب لـ"العربي الجديد"، أنّ "النقص في الأدوية الأساسية بما في ذلك الأسبيرين وبعض علاجات ارتفاع ضغط الدم، يتفاقم في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، في وقت تكافح فيه الصيدليات لتأمين الإمدادات، بينما يزداد تفضيل بعض المصنّعين توجيه منتجاتهم إلى أسواق خارج بريطانيا".
وتوضح هانبيك أنّ صيدليات المجتمع "تبلّغ عن صعوبات جدية ومتنامية في الحصول على أدوية رئيسية، نتيجة مزيج من تأخّر التصنيع ونقص المواد الخام وتراجع رغبة بعض المصنّعين الأجانب في تزويد السوق البريطانية"، مضيفة أنّه "في كثير من الحالات، تعجز الصيدليات ببساطة عن طلب الكميات التي يحتاجها المرضى".
وتشير هانبيك، أيضاً إلى أنّ حالات النقص الأخيرة في أدوية ضغط الدم واسعة الاستعمال مثل "راميبريل" و"أملوديبين" تفاقمت بعد قيام بعض المورّدين بتقليص الإمدادات "بسبب الأسعار المتدنية التي تُعد غير مستدامة"، ما قلّص المخزون المتاح وقيّد قدرة الصيدليات على الوفاء بالطلبات.
أما الأسبيرين بعيار 75 ملغ القابل للتشتت، والمستخدم في الوقاية من النوبات القلبية، فتؤكد هانبيك أنّه "يعاني من نقص في الإمدادات نتيجة تأخّر في الإنتاج والتوزيع أدى إلى انخفاض ملموس في المخزون"، مضيفة أنّ "التوافر لا يزال محدوداً للغاية رغم إعلان بعض الشركات رفع وتيرة الإنتاج".
وترى هانبيك أنّ "جوهر المشكلة مرتبط بالتسعير"، موضحة أنّ "بعض الأدوية مثل أملوديبين تُباع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية مقابل نحو 48 بنساً، بينما يباع الأسبيرين مقابل نحو 60 بنساً، وهو سعر أقل من ثمن عبوة حلوى". في ظل هذه الأسعار، تقول إنّ "المصنّعين يواجهون صعوبة في تحقيق عائد معقول داخل السوق البريطانية، ما يدفعهم إلى تفضيل أسواق أعلى سعراً ويضع بريطانيا في مؤخرة قائمة التوريد". وتضيف أنّه "عندما يتوافر مخزون محدود في السوق، تقفز الأسعار إلى مستويات لا تتمكن الصيدليات من شرائها، فتتحمّل خسائر مباشرة وهو نظام غير قابل للاستمرار"، محذّرة من أنّ "المرضى هم من يدفعون الثمن عبر تأخر العلاج وتعطّل الرعاية وارتفاع مستويات القلق".
يمتد البُعد البنيوي لأزمة النقص خارج إطار التسعير المحلي. فالمملكة المتحدة تعتمد، شأنها شأن معظم أوروبا، على سلاسل إمداد تمتد إلى جنوب وشرق آسيا، لا سيما الهند التي تُعد مركزاً رئيسياً لإنتاج المواد الفعّالة الدوائية. وقد أدى هذا التركّز إلى ارتباط أسواق بأكملها بعدد محدود من المصانع والمورّدين.
وعند وقوع اضطراب في خطوط الإنتاج أو تباطؤ في الشحن أو إغلاق مؤقت لمصانع في الهند أو الصين لأسباب صحية أو لوجستية أو تنظيمية، يتراجع التوريد سريعاً في أسواق تعتمد على الاستيراد مثل بريطانيا التي لا تمتلك احتياطيات صناعية أو قدرة تصنيع محلية تغطي احتياجات الأدوية الجنيسة منخفضة القيمة.
وبخصوص اضطرابات الإمداد، أرسل تافي ماروتا، مدير الإعلام والاتصال في "جمعية الشركات الدوائية البريطانية" (ABPI)، مادة خلفية إلى "العربي الجديد" أوضح فيها أنّ تصنيع الأدوية يتم داخل سلاسل إمداد عالمية معقدة تخضع لمعايير صارمة للسلامة والجودة. وتشمل أسباب النقص "مشكلات في التصنيع وصعوبات في تأمين المواد الخام واختناقات في النقل أو حالات فشل الدُفعات التي لا تجتاز معايير الجودة".
وبحسب المعلومات نفسها، تلتزم الشركات بإخطار وزارة الصحة ورعاية المجتمع (DHSC) عند توقع اضطرابات في الإمداد، وتتولى الوزارة التنسيق مع الهيئات الصحية والتنظيمية عبر إجراءات معمول بها لتفادي تأثير النقص على المرضى. وتشير الجمعية إلى أنّ الوزارة أصدرت إرشادات تنظم مسؤوليات المصنّعين، وأنّ الشركات "تأخذ هذه الالتزامات على محمل الجد وتظل خاضعة للرقابة عند تعذّر توفير الإمدادات".
وثّق تقرير بحثي صادر عن مكتبة مجلس العموم البريطاني بعنوان "نقص الأدوية" الصادر في 4 سبتمبر/أيلول 2025، أنّ نقص الإمدادات "متكرر وذو أسباب هيكلية" تتداخل فيها عناصر التسعير وسلاسل التصنيع العالمية وتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على منظومة تداول الدواء.
ويشير التقرير إلى أنّ الاتحاد الأوروبي اتجه بعد جائحة "كوفيد-19" إلى تعزيز ما يُعرف بـ"الأمن الدوائي" عبر حوافز للتصنيع المحلي وتعديل شبكات التوريد والعقود، فيما لا تزال بريطانيا في مرحلة انتقالية بين نموذج الاستيراد واسع النطاق ونموذج الصناعات الدوائية الناشئة.
تظهر مفارقة لافتة في جانب التسعير. ففي تقرير صادر عن "شركة الصيادلة المتحدين" في 19 مارس/آذار 2025، وُصف هذا الوضع بـ"اقتصاد زائف" حيث يؤدي ضغط الأسعار إلى انسحاب الموردين أو تقليص الكميات، ما يدفع الصيدليات إلى شراء بدائل أعلى تكلفة أو تغطية الفروقات من مواردها الخاصة.
وتعتمد الصيدليات على نظام "التسعير التعويضي" (Drug Tariff) الذي يحدد المبلغ الذي يُعوَّض للصيدلية عند صرف الدواء. وعندما يفوق سعر الشراء السعر التعويضي، تتحمّل الصيدلية الفارق، ما يجعل بعض الأدوية غير مجدية تجارياً رغم ضرورتها العلاجية.
ينعكس هذا الوضع مباشرة على المرضى، إذ يضطر البعض إلى زيارة أكثر من صيدلية للحصول على دواء أساسي أو قبول بديل في الشكل أو الجرعة. وفي المستشفيات، حيث تُستخدم الأدوية الجنيسة بكثافة في أقسام التخدير والأورام، تفرض حالات النقص تعديلات في بروتوكولات الرعاية اليومية وتزيد الأعباء التشغيلية على الفرق الطبية.
تُظهر هذه التطورات أنّ أزمة الأسبيرين و"إيفوسفاميد" لا ترتبط بظرف عابر بقدر ما تعكس توترات بنيوية في نموذج التوريد القائم على الاستيراد واسع النطاق والتسعير المنخفض. وفي المقابل، تتجه دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا إلى تبنّي مقاربات مختلفة لتعزيز ما يُعرف بـ"الأمن الدوائي"، عبر رفع مرونة العقود وتقديم حوافز للتصنيع المحلي وزيادة الجاذبية السعرية للأدوية الجنيسة لضمان استمرار الموردين.
هذا التباين يعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات داخل أوروبا: إذ تركز بعض الدول على استقرار الإمدادات حتى لو ارتفعت الكلفة، بينما تسعى بريطانيا إلى ضبط الإنفاق في منظومتها الصحية، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على التوافر.

أخبار ذات صلة.
يايسله: حسين عبد الغني «أسطورة»
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة