كيف تهدد قرارات ترامب الصدامية قيادة أميركا للاقتصاد العالمي؟
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
حين بدأ دونالد ترامب مغامراته الاقتصادية ملوحا بحروب تجارية، بعد أيام من بدء فترة رئاسته الثانية، راهن كثيرون على أن ترامب قد يعبث بكل المؤسسات الأميركية معتمداً على تأييد مطلق من حزبه الجمهوري، لكن فئة واحدة يمكنها أن تتصدى له هي فئة رجال المال والأعمال. بعد عام من وجوده في السلطة وكثير من التهديدات والرسوم، لم يحدث ذلك. فواقع الحال أن فئة المال والأعمال، وحتى الآن على الأقل، انسجمت واستفادت من مغامرات ترامب على مدى العام الماضي، فحققت وول ستريت وأسهمها صعودا كبيرا تمثل في الاستثمار بشراهة في قطاع الذكاء الاصطناعي ونمو قطاع البترول والغاز.  ورغم أن غالبية الأميركيين يعارضون السياسات الاقتصادية لترامب، حسب استطلاعات رأي متعددة في الأسبوع الماضي، لأنها لم تحسن مستوى معيشتهم أو تخفض نفقاتهم حتى الآن، إلا أن ذلك لا ينطبق على قطاع كبار المستثمرين، حيث أفاد تقرير لـ"بنك أوف أميركا" في ديسمبر/كانون الأول الماضي بأن الأسواق، ورغم المخاوف من فوضى عالمية، تعيش حالة من التفاؤل هي الأعلى منذ ثلاثة أعوام ونصف العام. وقد جاءت تقديرات البنك بعد مسح شمل 238 من مديري الصناديق المالية، أعربوا عن قناعتهم بأن الظروف الاقتصادية الكلية تصب في مصلحة استمرار دعم الأسواق. فهل تصمد تلك الصورة كثيراً؟ صدمة غرينلاند لكن تهديدات ترامب الأخيرة بشأن ضم جزيرة غرينلاند وفرض عقوبات على شركائه الأوروبيين الذين يدعمون موقف الدنمارك من السيادة عليها، قد ألقت بظلال سلبية على قيادة أميركا الاقتصادية للعالم. فعلى الرغم من انخفاض الأسهم في معظم الأسوق العالمية، فإن الأسواق الأميركية شهدت التراجع الأكبر؛ فقد انخفض مؤشر "داو جونز" الصناعي بمقدار 871 نقطة، أي 1.8%، وهبط مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 2.1%، وانخفض مؤشر "ناسداك" المثقل بأسهم التكنولوجيا بنسبة 2.4%. كما تراجعت السندات عالمياً، ما دفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل عشر سنوات إلى ما دون 4.3%. وواصل الدولار خسائره الأخيرة. يجادل خبراء اقتصاديون بأن تهديدات ترامب بخصوص غرينلاند، باتباع إجراءات اقتصادية من أجل استخلاص تنازلات سياسية من الشركاء، تثير مزيدا من الخوف وتراجع الثقة في  قدرة أميركا على الاستمرار في قيادة الأسواق والتجارة الحرة عالمياً. فعلى مدى العقود الماضية كانت الولايات المتحدة "الملاذ الآمن" للمستثمرين والثروات في عالم مليء بالاضطرابات. وتشير وول ستريت جورنال في تقرير لها اليوم إلى أن السياسات الاقتصادية والخارجية التصادمية لترامب تدفع الدول إلى الاستثمار في أماكن أخرى، وزيادة الإنفاق على الدفاع، وبناء تحالفات تجارية جديدة، وإعادة النظر في مكانة الولايات المتحدة بوصفها القوة الاقتصادية الرئيسية التي تُبنى حولها اقتصاداتها وأمنها ومستقبلها. تغذي تحركات إدارة ترامب منذ بداية العام الجاري، على الصعيدين الداخلي والخارجي، الشعور بعدم اليقين لدى المستثمرين، بدءا من التحرك العسكري في فنزويلا واعتقال رئيسها بهدف الاستيلاء على أكبر احتياطي عالمي للنفط، وصولاً إلى التهديد بالاستيلاء على غرينلاند حيث المخزون الكبير من معادن الأرض النادرة في أكبر جزيرة بالعالم، والتهديد بفرض عقوبات على الدول الأوروبية التي تعارض مساعيه، وحتى تهديد استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وما يتمتع به من حصانة مستمدة من الكونغرس. وتشير صحيفة نيويورك تايمز في تقرير عن الحصاد الاقتصادي لإدارة ترامب، إلى أن ما يقوم به الرئيس يقوض جاذبية أميركا بوصفها مكاناً جاذباً للاستثمار تحميه مؤسسات دستورية. فالرئيس يسعى إلى تقويض استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي)، وأقال رئيس مكتب إحصاءات العمل، وهي الجهة التي تجمع بيانات اقتصادية أساسية، وقلّص التمويل المخصص للجامعات التي تجري جانباً كبيراً من الأبحاث العلمية المتقدمة في البلاد. كما تدخل في صفقات أعمال خاصة، واستحوذ على حصص في شركات خاصة، وهدد مديرين تنفيذيين لا يتماشون بما يكفي مع أولوياته السياسية. وشدد القيود على الهجرة، وشكك في قيمة تحالفات أميركا، وفرض رسوماً جمركية قاسية على الأصدقاء كما على الخصوم. تراجع الدولار لقد ظل الدولار وعلى مدى عقود، عملة تداول وملاذا آمنا على الصعيد العالمي، لكن هذه القيمة آخذة في التراجع بفضل عدة عوامل في مقدمتها سياسات ترامب.  فقد ضعفت في الآونة الأخيرة ثقة المستثمرين في الأصول الأميركية، ما دفع إلى إعادة تقييم دور الولايات المتحدة باعتبارها الملاذ المالي الأول في العالم. ويعود هذا التحول إلى تضافر عدة عوامل، من بينها تصاعد التوترات الجيوسياسية، والسياسات الصدامية للرئيس الأميركي. كما شجعت الرسوم الجمركية والاحتكاكات التجارية بعض الدول على تنويع أدوات التسوية التجارية واحتياطاتها بعيداً عن الدولار وتتجلى هذه العوامل عبر خروج رؤوس أموال من الأسهم والسندات الأميركية، وتحركات في أسواق الصرف الأجنبي مع لجوء المستثمرين إلى التحوط بعملات أخرى والذهب والمعادن النفيسة مثل الفضة والبلاتين. وعلى الرغم من أن ذلك لا يرقى إلى انهيار للدولار، فإنه يعكس إعادة تسعير تدريجية للمخاطر كما يكشف عن عالم يتجه ببطء نحو تعددية مالية أكبر، حيث لم تعد الولايات المتحدة تُعد خالية تماماً من المخاطر في جميع الظروف. سندات الخزانة تعلّم العالم من "حرب غزة" كيف تكون المقاطعة الاقتصادية سلاحاً فعالاً في المواجهة السياسية، وفي الوقت الراهن تتزايد الدعوات في أوروبا لمقاطعة أميركا ترامب اقتصاديا، على مستوى المواطنين العاديين هناك من يمتنعون عن السفر إلى أميركا أو شراء سلع أميركية، وعلى مستوى المؤسسات هناك دعوات متزايدة لأن تبيع صناديق المعاشات وشركات الاستثمار الأوروبية ما تملكه من سندات خزينة أميركية. ورغم أن هذه الدعوات جنينية ولم تقدم عليها سوى صناديق صغيرة في الدنمارك والنرويج، فإن تصاعد تهديدات ترامب قد يوسع نطاقها وهذا السيناريو قد يعد كابوسا بالنسبة للاقتصاد الأميركي. فعمليات البيع الكبيرة ستؤدي إلى تراجع أسعار السندات وارتفاع عوائدها، ما يرفع كلفة الاقتراض على الحكومة الأميركية والشركات والأسر، ويزيد من التقلبات في الأسواق المالية، ويضغط على تقييمات الأسهم وظروف الائتمان. كما أن صناديق التقاعد الأجنبية ستضطر إلى بيع الدولار عند التخارج من سندات الخزانة، ما سيؤدي إلى إضعاف العملة الأميركية وتعزيز المخاوف من تراجع مكانة الأصول الأميركية ملاذاً آمناً. وعلى المدى المتوسط، فإن ارتفاع العوائد الناتج عن ضعف الطلب لا عن قوة النمو قد يزيد من الضغوط التضخمية، ويعقّد خيارات السياسة النقدية أمام الاحتياطي الفيدرالي، ويرفع بشكل ملموس كلفة خدمة الدين العام، بما يضيق هامش المناورة المالية للحكومة. وإذا ما تزامنت هذه الخطوة مع تحركات مماثلة من مستثمرين كبار آخرين مثل صناديق الثروة السيادية أو البنوك المركزية، فقد يسرّع ذلك إعادة توزيع تدريجية لرؤوس الأموال العالمية بعيداً عن الولايات المتحدة، ويقوّض صفة سندات الخزانة أصلاً آمناً، ويؤثر في نهاية المطاف سلباً على الاستثمار والنمو ومستويات المعيشة في الولايات المتحدة. ورغم أن الاقتصاد الأميركي الأقوى عالميا لا يزال جاذبا للمستثمرين الخارجيين والمحليين على السواء، فإن استمرار ترامب في تقويض النظام العالمي القديم والعلاقات التي تستند إليه ربما يزيد من دوافع المستثمرين لوضع أموال أقل للعمل في الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية