ليبيا... قرارات حكومية تدفع نحو موجة غلاء جديدة
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
أعلن المصرف المركزي الليبي، الأحد الماضي، عن خفض جديد لقيمة الدينار بنسبة 14.7%، بعد تسعة أشهر من خفض سابق بنسبة 13.3% في إبريل/ نيسان الماضي. وتزامنت خطوة المركزي مع قرار آخر لمجلس النواب خاطب به المصرف بشأن فرض ضريبة على الإنتاج والاستهلاك، ورسوم على بعض السلع تتراوح بين 2% و25% بحسب نوعها. وجاء القراران في وقت بالغ الحساسية، إذ يعاني المواطن الليبي من ضغوط معيشية متراكمة بفعل قرارات سابقة فُرضت بموجبها ضرائب على بيع النقد الأجنبي المستخدم في توريد البضائع؛ مما تسبب في ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، بالإضافة إلى تذبذب الخدمات الأساسية، الأمر الذي جعل الإعلان عن خفض قيمة العملة وفرض ضرائب جديدة يثير موجة واسعة من القلق في الشارع الليبي بشأن ما تحمله المرحلة المقبلة من أعباء إضافية على الأسر. وفي حي الدريبي، طرابلس، يعبر المواطن هاني بن قمو، في حديثه لـ "العربي الجديد"، عن سخطه إزاء تعاطي السلطات مع الوضع الاقتصادي، مؤكداً أنّ الآثار الأولية للقرارين بدأت فعلياً في الظهور من خلال ارتفاع إضافي في أسعار بعض السلع الغذائية، مضيفاً أن وضعه المعيشي "لم يعد يُحتمل" لإعالة أسرته التي تعيش على حافة الكفاف. وتتفق المعلمة من حي قرجي، وفاء الكميشي، مع هذا الطرح، معتبرة أن الضرائب الجديدة "زادت الغلاء غلاءً" وأضافت: "يقال إن الضرائب التي فرضها مجلس النواب لم يُعمل بها حتى الآن، لكنها قادمة"، منتقدةً عدم مراعاة السلطات لحاجة المواطنين للمستلزمات المعيشية مع قرب شهر الصيام. وخلال الأيام الماضية، أعلنت وزارة الاقتصاد بحكومة الوحدة الوطنية عن فرض أسعار جبرية على بعض السلع الغذائية، كما أكدت أنها بصدد متابعة أي انحراف للأسعار عن مستوياتها الطبيعية، ضمن ما وصفته بحزمة الإجراءات الرامية إلى تصحيح الاختلالات السعرية، في وقت شنت فيه أجهزة أمنية حملات على مقار بعض الشركات الموردة والمصنعة للمواد الغذائية، وقامت بقفلها على خلفية زيادتها للأسعار. وقبل صدور قراري المصرف المركزي ومجلس النواب، كان المواطن الليبي يعيش ظروفاً معيشية تستهلك فيها الأسرة ما بين 35% إلى 40% من دخلها الشهري على سلة الغذاء، علماً بأن متوسط الرواتب لا يتجاوز 1200 دينار (حوالي 200 دولار) في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على السلع المستوردة. وفي قراءته لقراري المصرف المركزي ومجلس النواب، يرى الأكاديمي وأستاذ الإحصاء والتخطيط المالي، مختار شنشوب، أنه لا يمكن قراءة دوافعهما بشكل منفصل عن محاولة الجهتين "إدارة أزمة أعمق تتعلق ببنية الاقتصاد الليبي نفسه" موضحاً أن المشكلة الرئيسية "ليست في حجم الإيرادات أو الإنفاق بالدينار، وإنما في الطلب المرتفع على العملة الأجنبية مقابل موارد محدودة خارج قطاع النفط، وفي اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج". وفيما يلفت شنشوب إلى بيان المصرف المركزي، الصادر الاثنين بشأن الإيرادات والإنفاق خلال 2025، والذي ذكر فيه أن حجم الإيرادات بلغ نحو 136.87 مليار دينار، مقابل إنفاق بنحو 136.8 مليار دينار، يرى أن المصرف أعلن عن قرار خفض قيمة الدينار ثم أصدر في اليوم التالي البيان ليعطي "مفتاح الفهم" لخلفية قراره. فالأرقام، وفق قراءة شنشوب، تشير إلى أن الميزانية "متوازنة تقريباً من الناحية المحاسبية، لكن الخلل تكشفه الأرقام الأخرى من خلال توضيح هيمنة الإيرادات النفطية التي شكلت أكثر من 85%، مقابل هشاشة الإيرادات الأخرى (مصلحة الضرائب 2.8 مليار دينار، والجمارك 345 مليون دينار فقط)، وهذا دليل صريح على أن الدولة تعتمد بشكل شبه كامل على مصدر واحد متقلب سياسياً وسعرياً". ومن هذا المنظور، يرى شنشوب أن خفض قيمة الدينار سببه الرئيسي هو "الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، وليس العجز المالي المباشر؛ فالدولة تنفق بالدينار لكنها تستورد بالدولار، ومع الإنفاق العام المرتفع الذي يذهب أغلبه للرواتب والدعم، يتولد طلب ضخم على العملة الصعبة لا يقابله إنتاج أو صادرات غير نفطية، وهو ما وضع المصرف المركزي أمام خيارين: إما استنزاف الاحتياطي، أو تعديل سعر الصرف". ويعتبر شنشوب أن الضرائب والرسوم "عيبها أنها محاولة سريعة لزيادة الإيرادات المحلية وامتصاص جزء من السيولة، كما أنها تأتي في توقيت اجتماعي صعب"، لافتاً إلى أن قرار مجلس النواب الذي لم يميز بشكل واضح بين السلع الكمالية والأساسية "يزيد من الآثار التضخمية، وهو قرار لم يصدر عن دراسة كافية". كما يشير الخبير المالي إلى جملة من الأسباب الأخرى، ومنها ما ورد في بيان المصرف المركزي من تخصيص 12 مليار دينار من إيرادات الرسم المفروض على النقد الأجنبي لمشروعات التنمية، معتبراً أنّ "عدم الإحساس بوجود أثر ملموس في البنية الإنتاجية أو الخدمات يزيد من الشكوك في جدوى هذه الإجراءات، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات". ويقدر شنشوب أن يؤدي قرار خفض قيمة الدينار إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي بما يتراوح بين 10 و15 نقطة مئوية إضافية في سلة إنفاق الأسرة خلال الأشهر المقبلة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية