عربي
يشهد العالم حالياً تحدّيات اقتصادية وجيوسياسية تؤثّر على علاقات الدول ومصالحها، وتُعيد تشكيل التحالفات والشراكات. وبما أنّ الشرق الأوسط يتمتّع بأهمية كبيرة بسبب غناه بالنفط والغاز، وفيه أهم الممرّات المائية عالمياً، تسعى غالبية الدول الكبرى إلى أن يكون لها موطئ قدم فيه، عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والثقافية مع دول المنطقة. ومن بين الدول التي سعت، في العقود الأخيرة، إلى تعزيز حضورها في الشرق الأوسط كوريا الجنوبية التي تُعدّ من الدول الفاعلة على الساحة الدولية، إذ انتقلت خلال عقود قليلة من دولة متأثّرة بالحروب والصراعات إلى قوّة اقتصادية وسياسية تسعى إلى المساهمة في إحلال السلام والاستقرار عالمياً. ويولي الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، أهمية خاصة لقضية السلام انطلاقاً من التجربة التاريخية لشبه الجزيرة الكورية التي ما زالت تعيش آثار الانقسامات والتوتّرات.
ومنذ مجيئه إلى السلطة، يعمل الرئيس لي على إدارة النزاعات والصراعات عبر الحوار، فقد أبدى رغبته في عقد حوار مع كوريا الشمالية. وبعد التوتّرات بين اليابان والصين بسبب تايوان، زار لي البلدين، بهدف تخفيف حدّة التوتّرات في شرق آسيا، إذ تسعى كوريا إلى لعب دور بنّاء على الساحة الدولية بعد فترة من الاضطرابات السياسية التي شهدتها على خلفية إعلان الرئيس المعزول يون سوك يول الأحكام العرفية.
زار الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، الذي انتُخب العام الماضي رئيساً للبلاد، الشرق الأوسط قبل زيارته دول شرق آسيا، ما يدل على أهمية المنطقة في السياسة الخارجية لكوريا الجنوبية. وتعاقب الرؤساء السابقون لكوريا الجنوبية على زيارة المنطقة، فالرئيس المعزول يون سوك يول زار قطر والسعودية والإمارات عام 2023، كما زار الرئيس السابق، مون جاي إن، المنطقة عام 2022، وأكّد في لقاءاته بالزعماء العرب أنّ بلاده تسعى إلى تجاوز الإطار الضيّق للمصالح الاقتصادية القائمة على استيراد النفط والغاز وفتح الأسواق أمام الشركات الكورية الجنوبية للدخول في المجالات المُتقدّمة والطاقة المُتجدّدة. وأكّد ذلك أيضاً الرئيس الحالي من خلال مبادرته شاين (SHINE) التي أطلقها من جامعة القاهرة، وهي جزء من استراتيجية كورية جنوبية جديدة لتعزيز التعاون مع دول الشرق الأوسط في مجالات مُتعدّدة، تشمل السلام والتنمية والثقافة، ولاقت المبادرة ترحيباً كبيراً من الدول العربية. واختيار جامعة القاهرة لإعلان المبادرة دليل على أهمية الربط بين المعرفة والحوار الحضاري في العلاقات الدولية الحديثة، وأنّ الشباب هم جيل المستقبل القادر على تعزيز أواصر الصداقة بين الشرق الأوسط وكوريا الجنوبية.
تمثّل أسواق دول الشرق الأوسط أهمية كبيرة للشركات الكورية العملاقة في مجال السيارات والإلكترونيات والهواتف المحمولة
نجحت سول التي تصنّف اليوم إحدى القوى الاقتصادية والتكنولوجيا المُتقدّمة في بناء شبكة علاقاتٍ متينةٍ مع الشرق الأوسط مُستندة إلى المصالح المُتبادلة، خصوصاً في مجال الطاقة والتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا. وتكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة في ظلّ اعتماد كوريا الجنوبية على موارد الطاقة من المنطقة التي تُلبي حوالي 62% من احتياجات كوريا النفطية، كذلك تلعب دول الشرق الأوسط دوراً رئيسياً في استقرار سلاسل إمداد الطاقة العالمية واللوجيستيات البحرية، لتحكمها في الممرّات البحرية الرئيسية، كقناة السويس ومضيق هرمز. بالإضافة إلى ذلك، تمثّل أسواق دول الشرق الأوسط أهمية كبيرة للشركات الكورية العملاقة في مجال السيارات والإلكترونيات والهواتف المحمولة.
ومع ارتفاع منسوب التوتّرات في المنطقة يتزايد الطلب على الأسلحة، إذ أصبحت المنطقة تستحوذ على نحو 27% من واردات الأسلحة العالمية، وارتفع حجم الإنفاق العسكري فيها بمعدّل 15% خلال عام 2024 ليشمل 243 مليار دولار، وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. وتسعى كوريا الى تعزيز مكانتها بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم، لذلك عملت خلال السنوات الأخيرة على زيادة تعاونها العسكري مع دول المنطقة، فضلاً عن سعي سول إلى لعب دور أكبر في القضايا الإقليمية والدولية، خصوصاً في المناطق التي لم تكن مركزاً تقليدياً لدبلوماسيتها قبل ذلك مثل الشرق الأوسط.
تسعى كوريا إلى ترسيخ مكانتها بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم
وتسعى دول الشرق الأوسط إلى تنويع اقتصاداتها وشركائها، وعدم استمرار الاعتماد على الطاقة التقليدية، والاستفادة من الخبرات الكورية، لا سيما في مجال البنى التحتية والتكنولوجيا والدفاع، لذلك هناك رغبة حقيقية من الجانبين في تعزيز تعاونهما على مختلف الأصعدة، نظراً إلى المصالح التي يمكن أن تتحقّق من وراء تقاربهما. كما أنّ كوريا الجنوبية تتمتّع بثقة شعوب بلدان الشرق الأوسط، فهي تمتلك سمعة طيبة لدى الشعوب العربية، لأنها لم تدخل في صراعات أو خلافات مع دول المنطقة، فضلاً عن دور القوّة الناعمة الكورية، مثل المسلسلات والمطاعم والمراكز الثقافية الكورية وغيرها في تعزيز أواصر الصداقة والتقارب بين الجانبين، وهي حليف للولايات المتحدة التي قد لا تعرقل التقارب بين كوريا ودول المنطقة، على عكس الصين، حيث تسعى واشنطن إلى مواجهة النفوذ الصيني في مختلف بقاع الأرض، ومنها دول الشرق الأوسط، لا سيما دول الخليج العربي.
وساعدت اتفاقية التجارة الحرّة التي وقعت بين كوريا الجنوبية ودول مجلس التعاون الخليجي في تعزيز العلاقات بين الجانبين. وتدرس مصر حالياً إبرام اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بهدف تعزيز التجارة والاستثمار ويلتزم الطرفان تعميق المناقشات بشأن اتفاقية التجارة الحرّة بينهما، كما أنّ المغرب وكوريا الجنوبية يعملان على التسريع بإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الثنائية.
5 محاور في مبادرة شاين
تعني كلمة SHINE بالإنكليزية الإشراق، أما تسميتها المبادرة، فهي اختصار يمثّل خمسة محاور استراتيجية: الاستقرار Stability، الانسجام Harmoney، الابتكار Innovation، التواصل Network، التعليم Education. وتشكّل هذه المحاور جوهر المبادرة التي تهدف إلى تعزيز السلام والأمن، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية وتوسيع التبادل الثقافي وبناء شبكات اتصال بين الشعوب وتطوير التعليم والتدريب.
وقد جعلت كوريا الجنوبية الاستقرار والانسجام في مقدّمة هذه المبادرة، لأنها تعتبر أنّه في حال عدم وجود استقرار وسلام لا يمكن للتنمية أن تتحقّق. والاستقرار ليس فقط تهدئة الصراعات، بل أيضاً دعم حلّ النزاعات من خلال الحوار، والتعاون، والمبادرات الإنسانية المشتركة، إذ يؤمن رئيس كوريا الجنوبية الحالي بأنّ السلام المُستدام لا يتحقّق بالقوّة العسكرية وحدها، بل من خلال التعاون الدولي وبناء الثقة المتبادلة بين الدول واحترام القانون الدولي. وأكّد الرئيس لي أنّ الاستقرار والانسجام سيكونان مبدأين أساسيين للجهود الرامية إلى إحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية والشرق الأوسط.
يُعدّ الجانب الاقتصادي حجر الأساس في العلاقات بين كوريا الجنوبية والشرق الأوسط
ويأتي إعلان المبادرة في وقت شهد فيه الشرق الأوسط اضطرابات أمنية كبيرة تمثّلت بالعدوان الإسرائيلي على غزّة ولبنان، والاضطرابات في البحر الأحمر، فضلاً عن الهجمات العسكرية التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، والقصف الأميركي للمُفاعلات النووية الإيرانية، وسقوط نظام الأسد في سورية، وما زالت الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط تشهد تصاعداً بسبب الغطرسة الإسرائيلية والدعم الذي تقدّمه واشنطن لتل أبيب، والتهديد بين الحين والآخر بضرب إيران واستئناف الحرب على لبنان.
بطبيعة الحال، لدى كوريا الجنوبية قلق من أن تؤدي الاضطرابات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل، أو إلى إغلاق مضيق هرمز الذي يمرّ عبره أكثر من 60% من النفط إلى كوريا الجنوبية. وقد عبّر رئيس كوريا الجنوبية المعزول، يون يوك سول، بعد أن شنّت إيران هجوماً بطائرات مُسيّرة استهدفت إسرائيل عام 2024، على أنّ للتوتّر في الشرق الأوسط تأثيراً مباشراً على أسعار النفط العالمية، وهو ما يؤثّر بدوره كثيراً على اقتصاد كوريا الجنوبية وسلاسل التوريد، وأضاف أنّ الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل، وارتفاع أسعار النفط سيؤدّيان، بشكل مباشر، إلى صعود الأسعار في كوريا.
وفي كلمته في جامعة القاهرة، قال لي جاي ميونغ إنّ حكومته ساهمت بشكل مباشر في إرساء السلام داخل الشرق الأوسط، وتعهّد بتقديم عشرة مليارات دولار، دعماً لغزّة من خلال الهلال الأحمر المصري، من أجل دعم جهود الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار في القطاع. وقد أكّدت كوريا الجنوبية مراراً أنّها ستُواصل العمل مع المجتمع الدولي من أجل تعزيز السلام في الشرق الأوسط، بما في ذلك تنفيذ حل الدولتين، وسبق لسول أن تقدّمت بدعم مالي بقيمة 30 مليون دولار للتدخّلات الإنسانية الطارئة في قطاع غزّة من خلال منظمات الأمم المتحدة.
تمثّل علاقات كوريا الجنوبية مع الشرق الأوسط نموذجاً ناجحاً للتعاون الدولي القائم على المصالح المُتبادلة والبراغماتية السياسية
ويُعدّ الجانب الاقتصادي حجر الأساس في العلاقات بين كوريا الجنوبية والشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يقتصر هدف المبادرة على الجانب الاقتصادي، بل يشمل أيضاً الجانبين، االثقافي والبشري، إذ يسعى الجانبان إلى تعزيز العلاقات بين المؤسّسات الأكاديمية والحكومات والشركات والمجتمع المدني. وقد وعدت كوريا الجنوبية بزيادة برامج التبادل الطلابي والمعرفي، وفتح مزيد من الفرص لطلاب الشرق الأوسط للدراسة في كوريا الجنوبية، وتعزيز التعاون بين المتاحف والمؤسّسات الثقافية، مثل التعاون بين المتحف المصري الكبير والمتحف الوطني الكوري، ما يعزّز التقارب بين الشعوب، ويقوّي جسور الصداقة بين كوريا الجنوبية والدول العربية. وتسعى كوريا الجنوبية من خلال المبادرة إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع دول المنطقة، عبر دعم المشاريع التكنولوجيا الحديثة، زيادة التجارة والاستثمارات المُشتركة، تشجيع الشراكة الصناعية ودعم الابتكار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
تبرز المبادرة رؤية الرئيس لي في جعل التعاون الدولي أداةً سياسية لتحقيق التنمية المُستدامة والأمن العالمي. وعلى الرغم من متانة العلاقات بين الجانبين، هناك تحدّيات يمكن أن تعترضها مثل التوتّرات السياسية والأمنية في المنطقة، تقلّب أسعار النفط، المنافسة مع قوى دولية أخرى، فضلاً عن أنّه يجب أن تتوفّر لدى الطرفين رغبة حقيقية في تنفيذ أهداف المبادرة .
تمثّل علاقات كوريا الجنوبية مع الشرق الأوسط نموذجاً ناجحاً للتعاون الدولي القائم على المصالح المُتبادلة والبراغماتية السياسية. فقد استطاع الطرفان بناء شراكة استراتيجية شاملة تمتدّ من الطاقة والتجارة إلى الثقافة والتكنولوجيا، ومع استمرار التحوّلات الاقتصادية العالمية من المرجّح أن تشهد هذه العلاقات مزيداً من التطوّر بما يخدم مصالح الجانبين ويعزّز الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.

أخبار ذات صلة.
الحارس ميندي: الأهلي «بيتي»
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق