مصر: عمال وصحافيون في صفوف الباحثين عن الحد الأدنى للأجور
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
شهدت الساحة العمالية في مصر موجة متصاعدة من الاحتجاجات والاضرابات التي عمت قطاعات استراتيجية وحيوية، على مدار الأسابيع القليلة الماضية، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية وتفاقم الفجوة بين الأجور المتدنية والارتفاع المطرد في تكاليف المعيشة. التصاعد الملحوظ في الاحتجاجات العمالية والمهنية، تمحور أولًا حول المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، ثم صرف المستحقات المالية المتأخرة، وتحسين الأوضاع المعيشية في ظل ارتفاع تكاليف الحياة. لم تقتصر تلك التحركات على قطاع بعينه، بل امتدت من مصانع السكر في صعيد مصر إلى مطاحن الحبوب، مرورًا بالمؤسسات الصحافية القومية، ما عكس اتساع رقعة الأزمة وتنوع الفئات المهنية المنخرطة فيها، من عمال الصناعات الثقيلة إلى الصحافيين والعاملين بالمطابع. ففي محافظة أسيوط، نظم عمال شركة مطاحن مصر الوسطى سلسلة وقفات احتجاجية داخل مقر الشركة، كان آخرها الأحد الماضي، للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف العلاوات المتأخرة منذ عام 2016. وكانت احتجاجات مماثلة قد نُظمت قبل ذلك بيوم واحد في فرع الشركة بمحافظة المنيا، بالمطالب ذاتها، في مؤشر على انتقال الاحتجاجات بين مواقع الشركة المختلفة. وأفادت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، بأن العمال عرضوا مطالبهم على رئيس مجلس إدارة الشركة، الذي تسلمها في مذكرة مكتوبة ووعد بدراستها دون الإعلان عن إجراءات تنفيذية واضحة. وفي قطاع الصناعات الغذائية، دخل آلاف العمال بشركة السكر والصناعات التكاملية في إضرابات ووقفات احتجاجية متزامنة في مصانع التقطير والمعدات والتكرير وفينوس بمجمع مصانع الحوامدية في الجيزة، إلى جانب مصانع إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي في محافظة قنا. ووفق بيانات صادرة عن منظمات حقوقية مراقبة للوضع العمالي، بدأت هذه التحركات منذ نحو أسبوع، احتجاجًا على تأخر صرف الأرباح السنوية عن العام المالي الماضي، وتأجيل انعقاد الجمعية العمومية للشركة، إضافة إلى المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وزيادة الحوافز والبدلات وتثبيت العمالة المؤقتة. وشهد مصنع دشنا تصعيدًا لافتًا تمثل في منع شاحنات نقل السكر التابعة لوزارة التموين من الدخول أو الخروج، بعد محاولات لاحتواء الغضب العمالي عبر حزمة قرارات مالية وُصفت من قبل العمال بأنها غير كافية. الشركة، التابعة لوزارة التموين منذ عام 2014، حققت إيرادات معلنة بلغت نحو 44 مليار جنيه (نحو 925 مليون دولار) خلال العام الماضي، وفق تصريحات رسمية، في وقت تتجاوز فيه مديونيات وزارة التموين المستحقة للشركة ثلاثة مليارات جنيه.  الصحافيون يطالبون بتطبيق الحد الأدنى للأجور الاحتجاجات لم تقتصر على القطاعات الصناعية، إذ شهدت المؤسسات الصحافية القومية تحركات موازية. فقبل أيام، صدر قرار بإيقاف صحافي وستة عمال من مطابع مؤسسة أخبار اليوم عن العمل لمدة شهرين، عقب وقفة احتجاجية سلمية نظمها عمال المطابع للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، وتحديد موعد لصرف أرباح عام 2025. وبحسب شهادات وثقتها منظمات حقوقية، جاءت قرارات الإيقاف بعد أيام من الوقفة، رغم إفادة الصحافي الموقوف بعدم مشاركته فيها، واقتصار دوره على التعبير عن رأيه عبر حسابه الشخصي. كما شهدت أزمة صحافيي جريدة "البوابة نيوز" تصعيدًا تمثل في منع الصحافيين المعتصمين من دخول مقر عملهم، بعد أيام من التحقيق مع عدد منهم أمام النيابة، لينقلوا اعتصامهم إلى مقر نقابة الصحافيين المصريين، ليواصلوا من داخلها المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف المستحقات المالية المتأخرة. هذه الاحتجاجات التي طفت على المشهد السياسي المصري، خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعكس غليانًا كبيرًا في الصفوف العمالية امتد على مدار العام الماضي، الذي شهد البداية الفعلية لتطبيق قرار الحد الأدنى للأجور البالغ سبعة آلاف جنيه مصري (نحو 147 دولارًا). قراءة رقمية لحجم الأزمة وقد تمكن تقرير "انتهاكات الحريات النقابية وحقوق العمل في مصر خلال عام 2025" الصادر عن دار الخدمات النقابية والعمالية، مؤخرًا، من تقديم قراءة رقمية لحجم الأزمة. وفي 30 يوليو/تموز 2025 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2594 لسنة 2025 الذي نص على تعديل قيم الحد الأدنى لإجمالي أجور الموظفين والعاملين لدى أجهزة الدولة والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية عن 7000 جنيه للدرجة السادسة مع تدرج أجر الدرجات الوظيفية وصولًا إلى مبلغ 13500 جنيه للدرجة الممتازة، وذلك اعتبارًا من أول يوليو 2025. كما صدر القانون رقم 89 لسنة 2025 بتحديد نسبة العلاوة الدورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 10% من الأجر الوظيفي بحد أدنى 150 جنيهًا، ومنح علاوة خاصة لغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 15% من الأجر الأساسي بحد أدنى 150 جنيهًا أيضًا، لكن وفق تقرير دار الخدمات النقابية والعمالية الذي غطى الفترة من 1 يناير/كانون الثاني 2025 حتى 31 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، فقد بلغ إجمالي عدد العمال المتضررين من الأوضاع الاقتصادية، خلال العام 67,233 عاملًا، نتيجة انتهاكات متنوعة في حقوق العمل، كان أبرزها الامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور. ووزع التقرير العمالة المتضررة بحسب القطاع الاقتصادي، مسجلًا 23 حالة انتهاك في القطاع الخاص، و28 حالة في قطاع الأعمال العام، و6 حالات في القطاع الحكومي، وحالة واحدة في القطاع العام. وأشار إلى أن القطاع الخاص استحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع العدد الإجمالي للعمال المتضررين، رغم أن قطاع الأعمال العام سجل العدد الأكبر من حالات عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور. وجغرافيًّا، جاءت محافظة الإسكندرية في مقدمة المحافظات من حيث عدد الانتهاكات المسجلة بواقع 8 حالات، تلتها القاهرة بـ6 حالات، ثم أسوان بـ5 حالات، بحسب التقرير. وتركزت الانتهاكات في قطاعات حيوية، شملت المياه، والسكر، والخدمات الطبية، والملابس، والمواد الغذائية. وسجلت شركة مياه الشرب والصرف الصحي أعلى عدد من الحالات بين المنشآت، بواقع 8 حالات، تلتها مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية بـ6 حالات، ثم شركة "بليون للحلويات" في القطاع الخاص بـ3 حالات، وفق ما ورد في التقرير. وفيما يتعلق بتطبيق الحد الأدنى للأجور، رصد التقرير 35 حالة امتناع عن التطبيق، توزعت بين 19 حالة في قطاع الأعمال العام، و15 حالة في القطاع الخاص. قائمة انتهاكات الحقوق العمالية في 2025 كما أشار إلى مشكلة "غياب التدرج في الأجور" في 7 منشآت، منها 4 في قطاع الأعمال العام و3 في القطاع الخاص. وعلى مستوى التوزيع الزمني، سجل شهر يناير/كانون الثاني أعلى معدل تضرر، بلغ 29,300 عامل، وهو ما أرجعه التقرير إلى تسويات ميزانيات نهاية وبداية العام، واحتساب العلاوة السنوية، وعدم الالتزام بقرار الحد الأدنى للأجور الصادر لعام 2024. ثم شهدت الفترة من مايو/أيار إلى يونيو/حزيران انخفاضًا ملحوظًا في عدد الحالات، قبل أن تعود للارتفاع في سبتمبر/أيلول بواقع 8,500 عامل متضرر، ثم في نوفمبر/تشرين الثاني بـ10,543 عاملًا. وأشار التقرير إلى أن عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور شمل أنماطًا متعددة من الانتهاكات، بينها تأخير صرف الأجور، والامتناع عن دفع المستحقات، والحرمان من البدلات والحوافز. كما رصد 19 حالة موثقة لانتهاكات جسيمة للحريات النقابية، توزعت بواقع 12 حالة في قطاع الأعمال العام، و6 حالات في القطاع الخاص، وحالة واحدة في القطاع الحكومي. وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، 10 حالات قبض على عمال، و8 حالات تهديدات أمنية، و3 حالات فصل تعسفي مقترن بإجراءات قبض، وحالتين لمنع دخول العمال إلى مقار العمل أو توجيه إنذارات بالفصل، إضافة إلى حالة فصل مقترن بتوقيف أمني في القطاع الخاص. يجدر بالذكر أن عقوبة الامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور وفقًا لأحكام المادة (287) من قانون العمل، غرامة لا تقل عن ألفي جنيه، ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه، وتتعدد الغرامة بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم الجريمة، وتضاعف في حالة العود. غير أن عدد حالات المخالفة التي يُعلن عنها تظل محدودة للغاية منسوبة لعدد منشآت القطاع الخاص، فضلًا عن ذلك عمدت معظم الشركات لدى اضطرارها تطبيق الحد الأدنى المقرر للأجر إلى الالتفاف على ذلك بطرق مختلفة، من بينها احتساب أجر العمل الإضافي ضمن هذا الحد الأدنى، أو احتساب ما يسمى بدل غلاء المعيشة أو ما يشابهه كجزء من الأجر وغير ذلك من صور التحايل. وخلص تقرير دار الخدمات النقابية والعمالية إلى أن الامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور تصدر قائمة الانتهاكات خلال عام 2025، وأشار إلى أن بعض الشركات بررت ذلك بتقديم طلبات استثناء لم يُبت فيها، بينما امتنعت شركات أخرى عن التنفيذ دون تفسير. ووفقًا للتقرير، أسهم هذا الوضع في تصاعد التحركات الاحتجاجية العمالية، التي امتدت إلى شركات كبرى في قطاع الأعمال العام ذات فروع متعددة، من بينها شركة السكر والصناعات التكاملية، وشركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي، إلى جانب شركات في القطاع الخاص، استخدم عمالها أدوات احتجاج متنوعة شملت الشكاوى والإضرابات الجزئية والكاملة والوقفات الاحتجاجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية