عربي
يتصاعد الجدل بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي على خلفية حزمة تشريعات بيئية متشددة تعتمدها بروكسل ضمن استراتيجيتها للتحول المناخي، في وقت تتزايد فيه المخاوف الخليجية من تداعيات اقتصادية قد تطاول قطاع الطاقة وأمن الإمدادات العالمية، وتنعكس على مستقبل الشراكات التجارية بين الجانبين. وتتمحور هذه المخاوف حول الطابع العابر للحدود الذي تتسم به القوانين الأوروبية الجديدة، والتي لا تقتصر على تنظيم الشركات داخل الاتحاد، بل تمتد عملياً إلى الشركات غير الأوروبية المرتبطة بالسوق الأوروبية أو بسلاسل توريدها، ما يثير تساؤلات متزايدة بشأن حدود النفوذ التنظيمي الأوروبي وانعكاساته الاقتصادية.
تشريعات أوروبية مثار جدل دولي
يرتكز الخلاف بشكل أساسي على توجيهين أوروبيين رئيسيين يشكّلان حجر الأساس في منظومة الاستدامة الجديدة. الأول هو توجيه العناية الواجبة لاستدامة الشركات (CSDDD)، الذي يفرض على الشركات الكبرى التحقق من التزام عملياتها وسلاسل التوريد التابعة لها بمعايير بيئية وحقوقية صارمة، إضافة إلى إعداد خطط تحول مناخي تتماشى مع أهداف الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
أما التوجيه الثاني، قانون الإبلاغ عن استدامة الشركات (CSRD)، فيُلزم الشركات بإعداد تقارير تفصيلية تغطي عشرات المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، مع متطلبات بيانات واسعة النطاق، وهو ما يترتب عليه أعباء مالية وإدارية مرتفعة، خصوصًا على الشركات العاملة في قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة. ويرى مراقبون أن اتساع نطاق هذه التشريعات جعلها محل نقاش عالمي، لا سيما مع تأثيرها المباشر على الدول المصدّرة للطاقة والمواد الأولية.
الطاقة في قلب التوتر
يمثل قطاع الطاقة جوهر القلق الخليجي، في ظل اعتماد أوروبا المتزايد خلال السنوات الأخيرة على واردات النفط والغاز من المنطقة، بالتوازي مع مساعيها لتقليص الانبعاثات بوتيرة متسارعة. وتبرز هنا آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) باعتبارها أكثر الأدوات الأوروبية إثارة للجدل، إذ تهدف إلى فرض كلفة كربونية على الواردات كثيفة الانبعاثات، بما يعادل السعر المعتمد داخل نظام تداول الانبعاثات الأوروبي. ويرى خبراء أن هذه الآلية قد تفرض ضغوطا مباشرة على صادرات النفط والغاز ومشتقاتهما، إضافة إلى صناعات مثل الألومنيوم والأسمدة والبتروكيميائيات، في حال عدم مواءمة البصمة الكربونية للمنتجات مع المعايير الأوروبية. وتشير تقديرات دولية إلى أن كلفة الامتثال قد تؤدي إلى زيادات ملموسة في أسعار التصدير، ما يهدد القدرة التنافسية لعدد من الصناعات الخليجية في السوق الأوروبية.
تحولات في الطلب الأوروبي
يأتي هذا الجدل في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي تنفيذ أهدافه المناخية الطموحة، التي تشمل خفض الانبعاثات بنحو 90% بحلول عام 2040، ما يعزز التوقعات بتراجع هيكلي طويل الأمد في الطلب الأوروبي على الوقود الأحفوري التقليدي. ويرى محللون أن التطبيق الكامل لآلية CBAM خلال السنوات القليلة المقبلة سيضع صادرات الطاقة تحت اختبار حقيقي، خصوصًا مع احتمالات تجاوز سعر طن الكربون في أوروبا حاجز 100 يورو، ما قد ينعكس في شكل رسوم إضافية على المنتجات المستوردة.
وفي هذا السياق، يصف خبراء اقتصاديون الموقف الخليجي بأنه قلق استراتيجي أكثر منه مواجهة سياسية مباشرة، نابع من خشية أن تؤدي التشريعات الأوروبية إلى إعادة رسم قواعد التجارة الدولية بصورة أحادية، من دون مراعاة خصوصيات الاقتصادات المعتمدة تاريخيا على الطاقة الهيدروكربونية. ويحذّر هؤلاء من أن فرض معايير موحدة قد يضع أعباء غير متكافئة على الدول النامية والناشئة، مقارنة بالاقتصادات الأوروبية التي تمتلك بنية تمويلية وتقنية أكثر تقدماً.
من الضغط التنظيمي إلى فرص التحول
في المقابل، تعمل دول الخليج على تسريع مسارات التحول الاقتصادي، في محاولة لتحويل الضغوط التنظيمية إلى فرص طويلة الأمد. وتندرج هذه الجهود ضمن برامج تنويع اقتصادي واسعة، تشمل التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير تقنيات احتجاز الكربون، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر والأزرق، إلى جانب إنشاء أسواق محلية لتداول الكربون. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن دول الخليج تتمتع بميزة تنافسية واضحة في إنتاج الهيدروجين منخفض الكلفة، مدفوعة بوفرة الطاقة الشمسية والمساحات الجغرافية، ما يجعلها مرشحة للعب دور محوري في تلبية الطلب الأوروبي المستقبلي على الطاقة النظيفة.
إلى جانب البعد الاقتصادي، يثير المسار الأوروبي تساؤلات قانونية متزايدة، خصوصًا مع توسّع نطاق التشريعات ليشمل أنشطة تقع خارج الحدود الأوروبية، استنادًا إلى مفهوم الارتباط بسلسلة القيمة. ويرى مختصون في القانون الاقتصادي أن هذا التوجه قد يفتح الباب أمام تضارب الاختصاصات القضائية، ويخلق حالة من عدم اليقين التنظيمي، بما ينعكس سلبًا على سلاسل التوريد العالمية والاستثمارات العابرة للحدود.
خلاصة المشهد
لا يتمحور الخلاف القائم حول مبدأ الاستدامة ذاته، بل حول آليات تطبيقه وحدود نفوذه. فبين سعي أوروبا إلى تسريع انتقالها المناخي، وحرص دول الخليج على حماية استقرار اقتصاداتها وأمن الطاقة العالمي، يبرز تحدٍ مشترك يتمثل في إيجاد مقاربة أكثر توازنًا تقوم على الشراكة لا الإملاء. وفي غياب هذا التوازن، قد تتحول تشريعات وُضعت لحماية المناخ إلى عامل ضغط جديد على التجارة العالمية، يهدد بتعميق الانقسامات الاقتصادية في مرحلة يشهد فيها العالم أصلًا أعلى مستويات عدم اليقين منذ عقود.
