عربي
نعيش في سورية اليوم مرحلة صعبة للغاية، صعوبتها تكمن في أنها مرحلة يجب أن تكون تأسيسية لدولة وعقد اجتماعي جديدين. ولمرحلة ما بعد سقوط النظام ونهاية الحرب، لكن ما نعيشه، والذي ثبت أننا ما زلنا بعيدين جداً عن ذلك، وأنه في لحظات التحوّل التي نعيشها، لم تكن الحرب نهاية الصراع، بل تبدو بداية اختبارٍ أشدّ قسوة وعمقاً، اختبار الوعي، والذاكرة، والقدرة على إعادة تعريف أنفسنا.
هذا بالضبط ما تعيشه سورية اليوم. فبرغم سقوط نظام بشّار الأسد، وبرغم انتهاء الحرب بوصفها صراعاً عسكرياً مفتوحاً، وجد السوريون أنفسهم داخل حربٍ أخرى لا تقلّ خطورة، حربٍ بلا مدافع ولا طائرات، لكنها مليئة بالخوف والشك والاتهام المتبادل.
لقد خرجت سورية من الحرب مدمَّرة، ليس في بناها التحتية ومدنها وبيوتها وحسب، بل في نسيجها الاجتماعي أيضاً. أخطر ما خلّفته سنوات العنف الطويلة انهيار الثقة بين السوريين. تحوّلت الجماعات والمكوّنات إلى جزرٍ معزولة، كلّ منها يعيش داخل سرديّته الخاصة، وكلّ منها يرى الآخر تهديداً محتملاً. بات الاتهام جاهزاً، والانتماء عبئاً، والهوية سلاحاً.
في هذا السياق، انتشرت أخطر الاختزالات وأكثرها ظلماً. صار تنظيم داعش يُقدَّم وكأنه يمثّل المسلمين السنّة السوريين، مع أنّ هذه التنظيمات كانت عدواً مباشراً لهم قبل غيرهم، وارتكبت بحقهم مجازر لا تُحصى، وسرقت في بعض الأحيان ثورتهم ودمّرت مجتمعاتهم. وصارت قسد تختزل بالأكراد، وكأنّ الأكراد كتلة سياسية واحدة، أو مشروع عسكري موحّد، متناسين أنّ الأكراد السوريين عانوا من التهميش والاستبداد ذاته، وأنّ بينهم تنوّعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً واسعاً. وصار الحديث عن "الفلول" مرتبطاً بالعلويين، وكأنّ الطائفة العلوية لم تكن هي الأخرى ضحية نظام استخدم أبناءها دروعاً لحكمه، ثم تركهم بعد سقوطه في مواجهة الفقر والعزلة والكراهية. وحتى الطائفة الدرزية الغنية بتنوعها جرى اختزالها بشخص رجل الدين حكمت الهجري، وكأنّ الدروز بلا آراء مختلفة أو مواقف متباينة.
ليست هذه الاختزالات مجرد أخطاء لغوية أو سوء فهم عابر، بل هي استمرار مباشر لمنطق النظام السابق التفكيكيّ للمجتمع، الذي حكم سورية عبر شرذمة المجتمع وربط مصير الطوائف به، ثم دفع الجميع إلى هاوية الشك المتبادل. الفرق الوحيد أنّ هذا المنطق يُعاد إنتاجه اليوم بأصوات سورية، لا بأجهزة أمنية فقط. أصوات تقاتل وتصرخ ليل نهار لتثبت أن جماعتها صالحة وفي الجانب الصحيح من التاريخ فيما الجماعة الأخرى ضالّة ومنحرفة.
المأساة أنّ السوريين دخلوا مرحلة ما بعد سقوط النظام من دون عقد اجتماعي جديد، ومن دون رواية وطنية جامعة تعترف بآلام الجميع. كل جماعة تشعر أنها الضحية الأكبر، وكل جماعة تخشى أن تُدان جماعياً، وكل جماعة تخاف أن يتحوّل شعار العدالة إلى أداة انتقام. وهكذا يصبح الجميع متّهمين، والجميع خائفين، والجميع أسرى ماضيهم.
توحيد السوريين اليوم هو التحدّي الأكبر والأصعب في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فبناء الدولة لا يبدأ بالدساتير وحدها، ولا بالمؤسسات فقط، بل يبدأ بكسر منطق الذنب الجماعي، وبالاعتراف الواضح أنّ الجريمة فردية، وأنّ المسؤولية شخصية، وأنّ الطائفة أو القومية لا تصنع خيانة ولا وطنية. يبدأ بالقول بلا تردّد: "داعش" ليس السنّة، و"قسد" ليست الأكراد، والفلول ليسوا العلويين، وحكمت الهجري ليس الطائفة الدرزية.
من دون هذا الوعي، ستبقى سورية تعيش حرباً مفتوحة ومستمرّة وإن كانت بلا رصاص.
