اللامركزية...  ليّ عنق المصطلح سورياً
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
ما زالت فكرة اللامركزية في ردهات النقاش السوري تنتج مشكلات ما بعد النزاع، تجافي ماهيتها وتطبيقاتها في مناهج القانون العام وفقهه كتفويض ونظام مؤسسي داخل هياكل الحكومة المركزية، تنحصر فيها السياسات الوطنية، كالجيش، والتجارة والاقتصاد، والخارجية، والحدود في إطار دولة موحدة. ذلك نقاشٌ سوري واسع، لم يتوقف طوال سنوات الثورة، قبل أن يُزجّ، بعد انتصارها، إشكالية سيادية وسياسية وعسكرية واقتصادية، تُعمق حالة التشظّي، وتزيد حمى التمترس، سواء لجهة المطالبة بها، أو لجهة الاتهامات الموجهة إليها. ثمة تباينٌ في تطبيق اللامركزية في مراحل ما بعد النزاع، فقد نجحت تجارب، وفشلت أخرى، بسبب استئثار القوى المحلية بالسلطة، ما يزيد من  حدّة النزاع واستمراره. لذلك يعد النقاش في جدوى اللامركزية وعمقها من أهم المواضيع في المراحل الانتقالية، بدءاً من تحييد الثقافة السياسية السائدة التي خلفها النزاع، و تحديد الشكل والتصميم المناسبين للامركزية نظاماً مؤسّسياً هرمياً. والأهم من ذلك، تنحية فكرة تقاسم السلطة، كفكرة تجنح باللامركزية إلى نوع من الفيدرالية المشوهة، تؤدّي، في نهاية المطاف، إلى تعزيز حالة الانقسام، وهشاشة الدولة المستدامة، خصوصاً في الحالات التي تبدو فيها الفواعل الخارجية ماثلة للعيان في مناطق النفوذ، ما يزيد من تقاسم الخسائر على الصعيد الوطني. يشير عمق اللامركزية في مراحل ما بعد النزاع، إلى تحديد صلاحياتها في إطار الدستور المركزي صاحب التفويض، لذلك تبدو التحديات أمام واضعي الدستور بالقدرة على بناء (وتصميم) السلطات الثلاث، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية المفهوم والمصطلح منذ خمسينيات القرن المنصرم، ارتبط مفهوم اللامركزية  بالاقتصاد، وفكرة إدارة القطاع العام تنموياً. عمليةٌ طرفاها حكم مركزي، ومستوى حكم مرتبط به، يقوم من خلاله المركز بتفويض أو نقل بعض من اختصاصاته ومسؤولياته المتعلقة بالوظائف إلى  المؤسّسات الحكومية أو القطاع الخاص في المستوى المحلي.  يُنظر إلى اللامركزية في برامج الأمم المتحدة الإنمائية والبنك الدولي بوصفها من أشكال حوكمة المؤسسات. لذلك تختلف تطبيقاتها ومستوياتها في إطار الدولة البسيطة أو الواحدة، اختلافاً جذرياً عن ممارستها في إطار الدولة الفيدرالية المركّبة، والحكم الذاتي. من الصعوبة بمكان الحديث عن اللامركزية مع غياب نظام مؤسسي، يعمل على تصميم وبناء المؤسسات الدستورية على الصعيد الوطني. على سبيل المثال، ينص الدستور الفرنسي "الجمهورية الفرنسية دولة غير قابلة للتجزئة". دولةٌ بسيطة موحدة تتبع نظاماً مركزياً على الصعيد الوطني، وفي الوقت نفسه، تطبق، بشكل هرمي، نظاماً لا مركزياً في المناطق.  ترتبط اللامركزية في أدبيات نظم الحكم والإدارة الحديثة بعدد من الأفكار السياسة، والاقتصادية، وعلم الإدارة، وعلم الاجتماع، وإدارة التنوع السكاني. عمليةٌ لا يشك بغايتها في الحد من البيروقراطية والتركيز المفرط للسلطة، وأدوارها في بناء القدرات المحلية، وتلبية حاجة المجتمعات المحلية في المناطق البعيدة أو المهمشة، وتخفيف العبء عن الحكومة المركزية. لم تعد اللامركزية في مفهوم الدولة المعاصرة مجرّد إشكالية لحل مشكلة الهويات الفرعية، كمفهوم كلاسيكي يتعارض والديمقراطيات المعاصرة، بقدر ما أصبحت (اللامركزية) أحد الحلول التي تتطلبها الاستراتيجيات الوطنية. ولم تعد مطلباً أو نظاماً على مستوى البلاد، استناداً لمبدأ "اللاتناظر" في اللامركزية، فقد عرفت تجارب عالمية كثيرة تطبيقات للامركزية على مستوى المناطق الحضرية الكبيرة والقريبة من العاصمة، بينما تولت الحكومة المركزية، في تجارب أخرى، إدارة المناطق الريفية أو البعيدة، ما يشير إلى خيارها كأحد الحلول والبدائل للمشكلات الوطنية الماثلة، وإيجاد الكيفيات التي تساعد الحكومة، خصوصاً في مراحل ما بعد النزاع، تحقيق استراتيجية وطنية، مدخلاتها المشاركة السياسية، و التوزيع العادل للثروات، في إطار فكرتي الإنماء المتوازن والتنمية المستدامة المكفولين دستورياً. يشير عمق اللامركزية في مراحل ما بعد النزاع، إلى تحديد صلاحياتها في إطار الدستور المركزي صاحب التفويض، لذلك تبدو التحديات أمام واضعي الدستور بالقدرة على بناء (وتصميم) السلطات الثلاث، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ووضع القوانين والأنظمة التي تحدد صلاحيات ومسؤوليات المستوى اللامركزي، وأي السلطات التي يجب أن تكون حصرية على المستوى الوطني، أو مشتركة، أو مفوّضة على المستوى المحلي. تشكل اللامركزية الإدارية (لا مركزية السلطة التنفيذية)، أبسط أشكال التفويض، من خلال نقل جزء من السلطة التنفيذية إلى الدوائر المحلية داخل الجهاز الإداري المركزي،  فالمواطنون في مناطقهم قادرون على ممارسة السلطة التنفيذية، واختيار مسؤوليهم ومحاسبتهم أكثر من المركز، وأدرى بمن أساء استخدام السلطة، ومن أنفق المال وكيف. ينطبق الحال نفسه في ممارسة السلطة التشريعية (اللامركزية السياسية)، حيث يشكل البرلمان الهيئة التشريعية العليا التي تسن القوانين الوطنية، بينما تضع المجالس المحلية المنتخبة في المناطق  اللوائح الخاصة بمناطقها، حسب الحاجة والخصوصية. على سبيل المثال، ما تحتاجه المدن الزراعية من تشريعات، وميزانيات، ودعم، وإعفاءات، وتسعيرات، لا يمكن أن يكون مماثلاً، أو مساوياً للمدن المركزية الكبرى أو الحضرية. يطفو على سطح النقاش السوري مصطلح اللامركزية الإدارية الموسّعة. مصطلحٌ سياسي لا يستند إلى أي مفهوم قانوني، ولد من حالة التوافق، لا الاتفاق، بين القوى اللبنانية بعد الحرب الأهلية، أشارت إليه "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني" عام 1989 فوارق بناءً على شكل الدولة ثمة فروق جوهرية بين اللامركزية السياسية (لا مركزية السلطة التشريعية) والفيدرالية، والحكم الذاتي، وهنا يجب التفريق بين اللامركزية السياسية في إطار الدولة البسيطة أو الموحدة، كمستوى لامركزي على الصعيد الوطني، وذلك بإحداث مستوى تشريعي لامركزي في المناطق، من خلال نقل هذا المستوى أو تفويضه في إطار دستور واحد، وبرلمان وطني واحد، مع إعطاء المجتمعات المحلية، تفويضاً في المشاركة السياسية بالسماح لها بانتخاب مجالسها المحلية، بينما يضطلع البرلمان، على الصعيد الوطني، بسنّ القوانين والتشريعات، تشاركه المجالس المحلية، كمستوى لا مركزي، بوضع اللوائح التي تلبي حاجة المجتمعات المحلية وخصوصيّتها في إطار القوانين الوطنية. من هذه النقطة بالذات، تبدو أدوار اللامركزية السياسية في عملية الإنماء المتوازن، وممارسة الحقوق الهوياتية بوصفها حقوقاً دستورية وطنية، في إطار فكرة المواطنة المتساوية، بعيداً عن زجّها في أتون فكرة الأقلية والأكثرية، كمفهوم كلاسيكي يتعارض وفكرة اللامركزية والديمقراطية على حد سواء، خصوصاً عندما يكون التوزيع السكاني متداخلاً، أو مخلاً بالتناسب، إثنياً وطائفياً.  تختلف اللامركزية اختلافاً بيّناً عن الحكم الذاتي Self-government، ويتفقان بأن كليهما تحت سيادة الدولة الأم، مع فارق جوهري، يأخذ شكل التنازع مع المركز لجهة المطالبة الدائمة بالانفصال وحق تقرير المصير. مفهوم غالباً ما يتم اللجوء إليه، لإيجاد صيغة وسط بين الاستقلال الكامل، والنظام المركزي المطلق، يُمنح من خلاله الإقليم سلطات إدارية واسعة في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والسياسة، والتجارة، و صون الثقافة، والتراث، والقومية، حيث يستقل من خلاله الإقليم ببرلمان مستقل، وحكومة خاصة، تحت سقف حقيبتي وزارة الدفاع والخارجية. على سبيل المثال، نموذجا إقليم كردستان العراق، وكتالونيا في إسبانيا. يطفو على سطح النقاش السوري أيضاً، مصطلح اللامركزية الإدارية الموسّعة. مصطلحٌ سياسي لا يستند إلى أي مفهوم قانوني، ولد من حالة التوافق، لا الاتفاق، بين القوى اللبنانية بعد الحرب الأهلية، أشارت إليه "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني" عام 1989، أو ما عُرف حينها بـ "اتفاق الطائف". حالة عكست، من الناحية العملية، إعادة صياغة لبنان ككانتونات، يتقاسمها زعماء الحرب سياسياً، ومالياً، وطائفياً، من خلال آلية نقل السلطة، والمسؤولية، والموارد الوطنية إلى سلطات تقسيم إداري مستحدث جغرافياً، تحت بند إعطاء صلاحيات موسعة للمحافظين، وإعادة توزيع الدوائر الانتخابية، في الوقت الذي يخفي فيه مصطلح لامركزية "موسّعة" مرجعيات ومصالح القوى المتورطة في الصراع، كلٌ في مناطقة. تشكل اللامركزية الإدارية الموسعة، مفرزاً لاستدامة الصراع بين القوى السياسية. صيغة غامضة ومعوّمة، تتداخل فيها دلالات اللامركزية الإدارية، والفيدرالية، والحكم الذاتي، تاركة البلاد تعيد اجترار صراعات دموية، أصبحت في مراحل لاحقة صراعات سياسية داخل البرلمان، ومستمرة منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً إلى يومنا هذا. ينبغي توخّي الحذر عند تصميم اللامركزية، والأخذ بالاعتبار فعالية الهياكل المحلية وقوتها في المستوى اللامركزي، وكفاءة القدرات البشرية قياساً بالمركز، للحيلولة دون إنتاج مستوى محلي فاسد وغير ذي كفاءة اللامركزية في النظام الفيدرالي يتوسع المفهوم اللامركزي في أوسع حالاته مع النظام الفيدرالي القائم على فكرة تقاسم السلطة بين سلطة مركزية وأقاليم في إطار دولة اتحادية مركبة، تتمتع فيها كل ولاية ببرلمان، ودستور خاص بها، في إطار برلمان ودستور اتحاديين، تستقل فيه الوحدات السياسية المكونة للاتحاد بوضع القوانين، وإصدار القرارات، وتموّل نفسها اعتماداً على الضرائب التي تجنيها من مواطني الإقليم أو الولاية، وتخصص الميزانيات الخاصة بها، وفقاً لاحتياجاتها الاقتصادية المحلية، من دون الإخلال بالتزاماتها تجاه الدستور الاتحادي والقوانين الفيدرالية العامة. من الأهمية بمكان، القول إن كلمة فيدرالي Foedus اللاتينية، ومعناها المعاهدة أو الاتفاق بين كيانات مستقلة، غايتها التكامل، والتوازن، والاعتمادية المتبادلة في حالات السلم، والحاجة السياسية والاقتصادية والمجتمعية، لأقاليم أو ولايات فعالة، ترغب بتشكيل اتحاد قوي، بالتوازي مع استقلالية كل ولاية، وعدم أحقية أي وحدة سياسية في الاتحاد الفيدرالي بتعديل مسؤوليات وصلاحيات الوحدة الأخرى، على  الدولة البسيطة أو الموحدة، حيث تخضع اللامركزية للتعديلات التي يقرها الدستور أو يقرها البرلمان الوطني. وعليه، فالقول بالفيدرالية في مراحل ما بعد النزاع ومخلفاته من احتقان، وثقافة سياسية سائدة، ونزاعات قائمة، غالباً ما يُعمق ويكرس حالة التشظي والخلاف، ويهدد بعودة الصراع، أو استمراره على شكل سلام نسبي داخل دولة هشة وفاشلة، تتنافس فيها الإرادات الدولية و الإقليمية إلى ما لانهاية. ليست اللامركزية وصفة جاهزة أو حدثاً من الأحداث السياسية يجري الاتفاق عليه دفعة واحدة، بقدر ما هي محصلة خطوات مسبقة عديدة، وعمليات متتالية، منجزاً، منجزاً، ضابطها دستور وطني، ومؤسّسات تعمل بسيادة القانون. ترتبط اللامركزية ارتباطاً عضوياً بفكرة التشاركية وأدوار منظّمات المجتمع المدني، والأحزاب، والنقابات، ومجموعات الضغط  خارج السلطة، كحركة اجتماعية تعمل على تقييد نفوذ النخب السياسية المفوضة، وتراقب وتحاسب المستويات المركزية واللامركزية في مناطقها، كلما حاولت إساءة استعمال السلطة، وتصويبها في إطار القوانين والأنظمة.  لا تحيد جميع أشكال مستويات الحكم، سواء منها اللامركزية بأنواعها، أو الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، عن مبدأ تسلسل القواعد القانونية؛ دستور، فمعاهدات، فقوانين، فقرارات ولوائح (مبدأ المشروعية)، ضماناً لانسجامها مع المصلحتين الوطنية والمحلية. يشكل الدستور قانون القوانين الذي يضبط العلاقة بين اختصاصات السلطة المركزية وآليات عملها تفويضاً، وتوجيهاً، ورقابة من جهة، وبين صلاحيات السلطات المحلية اللامركزية من جهة أخرى. على سبيل المثال، تعد أهداف السياسة التعليمية قيمة موحدة على الصعيد الوطني، بينما تُمارس كتفويض لامركزي في المستوى المحلي، من خلال إدارة السياسة التعليمية وتطبيقها، لا توجيهها، مع الأخذ بالاعتبار، خصوصية المجتمع المحلي، كإنشاء مدارس وجامعات باللغة الهوياتية إلى جانب اللغة الرسمية، في إطار المصلحة العليا للبلاد وإشراف وزارة التربية. محاذير محقّة ينبغي توخّي الحذر عند تصميم اللامركزية، والأخذ بالاعتبار فعالية الهياكل المحلية وقوتها في المستوى اللامركزي، وكفاءة القدرات البشرية قياساً بالمركز، للحيلولة دون إنتاج مستوى محلي فاسد وغير ذي كفاءة. تتطلب اللامركزية تفاهماً وتعاوناً بين المركز والمستوى اللامركزي، فالعلاقة السيئة قد تغذي الرغبة للحكم الذاتي أو النزعات الانفصالية. الغاية النهائية للامركزية، الوقوف عند حاجة وخصوصية المجتمعات المحلية، وتحقيق الإنماء المتوازن على الصعيد الوطني، من خلال مستوى حكم متعاون ومتجاوب مع المركز، يشعر من خلاله المواطنون في المناطق البعيدة أو المهمشة بالمشاركة في صناعة القرار، ومراقبته، و إيجاد موطئ قدم لهم داخل النظام، ما يساعد على بناء الثقة، وتجفيف بؤر الاحتقان، ودعم الاستقرار، والولاء للدولة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية