عربي
في ظهورٍ أخيراً للصحفية ومقدمة البرامج السياسية الشهيرة كريستيان أمانبور، بدت فيه متأثرةً بما يحدث في الشارع الإيراني، أوضحت أن هذا التأثر، هذا التمزّق الشعوري، بين ما تحسّ وما تدعم أو تؤمن به بوصفها مواطنةً بريطانية، لكنها ما زالت تحمل الروح الإيرانية في روحها وبين ضلوعها. الروحية والأمل والانفعال والصدق اللذان تحدثت بهما أمانبور، لم يتركوا لمن شاهد مقدمة البرامج الشجاعة سوى سؤالٍ معلّق فوق رأس كل من عاش حراكاً في وطنه: ما معنى أن تكون وطنياً، ومن هو الوطني؟ مرّت بالسوريين عواصفُ كثيرة ليعوا أن تجليات الوطنية متعددة، ومغايرة الوصفات والاتجاهات أيضاً. قد يفترض الوطني أن عليه أن يساند حكومته والسلطة في كل ما تفعل، أن عليه أن يدعم البنيان من الانهيار مهما قدّم وتعب، أو شارف ذلك البنيان على الانهيار. يفترض الآخر الوطني أن عليه أن يقف على الضفة الأخرى من السلطة، وأن تجليات وطنيّته تكمن بألا يسكت على الأخطاء، وأن يلاحق كل ما لا يرضي ضميره أو قناعاته بالصراخ، والانتقاد، والسباب، وبالاعتصام، أو حتى بالاحتجاج السلمي، وقد يتسامح مع الاحتجاج العنفي، ما دام أنه لم يكذب، أو يخاتل، أو يداهن السلطة. يفترض المهاجر أن وطنيّته والحنين مشاعر لا يمكن لأحد أن يساومه عليها. ويفترض من لم يغادر أن وطنيّته اختُبرت بالبقاء، وأن له الأولوية والأحقية أن يحدد شكل ممارسة الوطنية وطريقته. تعيش إيران هذا السؤال منذ تاريخها الحديث، ونعيش مثلهم تحت حريق هذا السؤال أيضاً. نعتقد ونؤمن أن الوطن واحد، لكننا نختلف حول الوطنية، نختلف بتجليات الإفصاح عنها، عن محبتنا وانتمائنا لتلك الفكرة المطلقة التي اسمها "الوطن".
باستدعاء الدموع، والذاكرة، والقلب الذي يأبى إلا أن يدقّ في مساحة البعاد، هناك على الحدود، والأسلاك الشائكة، قد يكون الوطني الوحيد امرأةً في الشتات، تبكي على مظاهرة في طهران لأنها تتذكر مظاهرة في دمشق، ويختلط عليها الألم لأنه لغة واحدة اختبرتها بالكتابة، بالصراخ، فتكتشف أنها ما زالت تتمسّك بوهم اسمُه الانتماء إلى الوطن، حتى لو حرمتها ذلك السلطة وقهر التاريخ الذي يُكتب من دون حضورها أو موافقتها. قد يكون الوطني رجلاً في سورية، في قلب القلب، يعيش على قيد الخوف، يظنه الآخرون جباناً، بينما يمارس مواطنته الحقة، في مجرّد أنه ما زال إنساناً ولم يتوحش.
ما فعلته كريستيان أمانبور، في تلك اللحظة المجرّدة من مهنتها، ومن صورتها الإعلامية، ما قالته في تلك الدموع التي أبت أن تسقط، كان أكثر بمسافاتٍ من تصريح عاطفي لمقدمة برامج سياسية لا تملك حقّ "الانفعال" أمام الكاميرا حتى لا تُتهم بالشخصنة، كان كشفاً مزلزلاً: أن الوطنية ليست إلا جرحاً ينزّ. بطاقة هوية مغفلة النسب، ارتعاشة فؤاد مكسور لعقل لا يدري إلى من ينحاز وكيف يصرّح بالوطنية من دون أن يبيع عقله، مع أن كل ما في روحه مباع ومرتهن لسؤال الغربة ولسؤال البقاء.
نقول بعاطفية مغلولة الوعي "أنا أحبّ الوطن"، تظلّ الجملة ناقصة إلى الأبد، لا تكفي لتصنع فكرة كاملة، لا تشكل إلا ألماً خالصاً فحسب.
يبدو سؤال "من هو الوطني؟" اليوم سؤالاً مخاتلاً، وربما مُفخخاً، لأن الذين يبشرون بوطنيتهم، هم أول من يريد حصر هذا الوطن في تصوُّره وحده، وتحت سطوته الفكرية واللغوية. يصبح الوطن عندهم مِلْكاً خاصاً، والوطنية عقدَ إذعان: إمّا أن توقّع وتبايع وتُصفّق مطفأ البصيرة، أو تحمل احتجاجاتك وتمضي لينبذك الوطن، فتفشل بامتحان الطاعة، لا بامتحان الضمير.
