عربي
الفيلسوف والمفكر السوري أنطون ميخائيل مقدسي (1914- 2005) أول من شقّ عصا الطاعة على بشار الأسد حين تولى الرئاسة عام 2000 بعد موت أبيه. ذلك حين وقع على البيان الذي أصدره 99 مثقفاً سورياً مطالبين بإنهاء حالة الطوارئ وبالحرية للشعب السوري، ومن ثم صعّد موقفه فوجّه رسالة مفتوحة إليه من على صفحات صحيفة الحياة يوم 14 أغسطس/ آب 2000: "كفانا يا سيدي من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، إنجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائب يا سيدي منذ زمن طويل، إرادته مشلولة تقوم اليوم على تحقيق هدفين: الأول على الصعيد الخاص، أن يعمل ليلاً ونهاراً كي يضمن قوت أولاده. والثانية على الصعيد العام، أن يقول ما يطلب منه قوله، وأن يتبنى السلوك الذي يطلب منه (مسيرات، هتافات…). إنّ الذي يعصم هذا الشعب من الدمار، هو أنه يتعايش مع هذا الوضع المتردي تعايش المريض مع مرض مزمن".
سنلاحظ في الرسالة تهكّمه من الرئيس الذي ظنّ نفسه، أو صار يتوهّم بأنه يسيطر على السوريين بالآلة الجهنمية التي تبطش بها أجهزته الأمنية الناس
موقف جريء كاد يكلفه رأسه ثمناً، لكنّه المفكر الإنسان الذي يستدعي الحرية، فالرجل؛ وهو العارف ببؤس العائلة الضبعية، لم يتحمّل أن يسكت على السياسات المذلّة، وعلى القهر والتقهير الذي يعيشه السوري على الأقل منذ انقلاب تشرين الثاني 1970، فقرر أن يشهر سيفه؛ سيف المعرفة والرفض والتحدي والتمرد، فالإنسان هو من يخلق حريته. أنطون مقدسي وهو يعيش معنا بيننا مثقفاً عضوياً واجه الحاكم المستبد؛ وهذه مواجهة نادرة في تاريخ سورية الحديث، كانت المواجهة تقوم بها أحزاب المعارضة السياسية من خلال إصدار بيانات أو منشورات سرية، لكن أن يواجه مثقف ووحده، وبهذه الجرأة، ومن على منبر صحيفة من كبريات الصحف العربية رئيس دولته، فهي سابقة خطرة.
المفكر الفيلسوف أنطون مقدسي، والذي تمرّ الذكرى العشرون على رحيله، شق الصورة الهزلية للرئيس، وكشف عن جوع الشعب السوري للتفكير، وأنه ليس من حقّ الحاكم أن يدهس الناس بأقدامه إذا فكروا بالحرية.
قهر وظلم واضطهاد طبقي وجنسي وعرقي وباسم الحزب. طبعا نحن نعرف: لا حزب، ولا بعث، ولا عربي، ولا اشتراكي. فكانت رسالته تعبيراً حقيقياً لموقف المثقف الذي يحمل في أعماقه الحقيقة التاريخية، كرجل تاريخ أشهر سيف العقل الذهبي في وجه حاكم يمارس سلطاته مثل قاطع طريق. وسيفه هذا كان سيف النقد الذي يغيّر جهة الوعي، النقد عند أنطون مقدسي فعل عقلي إرادي و(ثوري). وفي هذا كان مثل الفيلسوف اليوناني سقراط (470 - 399 ق.م) فيستخدم عقله النقدي ما شكّل الجوهر الحقيقي للإنسان، فيكون التفكير عقلانياً كما عقلانية المنهج عنده، ما يذكرنا بشخصية بروميثيوس في مسرحية إسخيلوس "بروميثيوس المقيّد" وهو بطل إغريقي يمثّل رمزاً للعلم والمعرفة والمعاناة الإنسانية، يثور على سلطة زيوس الجبّارة بعد أن سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر ليرفع مستواهم، فيعاقب بقسوة، ويعذّب كل يوم، لكنّه يصمد، ويعدّ نموذجاً للفيلسوف والمفكر الذي يضحّي من أجل البشرية.
أنطون مقدسي كان كذلك وهو على رأس عمله في مديرية التأليف والترجمة بوزارة الثقافة، وفي السادسة والثمانين من عمره، ولم تكن تعنيه لو نزلت به أشد العقوبات. فالإنسان السوري بكل أطيافه حين كان يمتنع عن مقاومة العائلة الضبعية ليس جبناً، إنما الصبر الذي سينفد. وعن عمق في الرؤية الفلسفية كان يربط نظرية الوجود بالحرية للإنسان، طبعاً لا ليسيطر على العالم، ولكن حتى تعود للعقل السيادة في حكم وحركة الواقع. طبعاً سنلاحظ في الرسالة تهكّمه من الرئيس الذي ظنّ نفسه، أو صار يتوهّم بأنه يسيطر على السوريين بالآلة الجهنمية التي تبطش بها أجهزته الأمنية الناس. أنطون مقدسي المثقف الذي انفجر غضبه وإن جاء متأخراً، فهو ليبيّن للرئيس أن القمع والعنيف الذي يرهب به الناس لن ينقذه، وأن هذا السلوك هو تدمير لما هو ماديّ وروحيّ للسوريين، ويستحيل على العقل أن يقبله، ويستحيل على السوريين أن يتحمّلوه، فهم أيضاً كما انفجر أنطون سينفجرون بعد كل هذا الثبات والصبر والصلابة في تحمّل ما لا يحتمل.
أنطون مقدسي المثقف الحكيم الثائر الذي أثاره أن يحكم (الولد) بوصيّة (أبيه)، فيهدر حقّ ودم السوريين- حقوقهم الإنسانية في أن يتداولوا السلطة بالقرعة
لا نهضة ولا تنوير- حتى ولا حداثة ولا تحديث كما يدّعي الرئيسان الأب والابن، بل كلّ ما قاما به في فترة حكمهما كان مناورة للاستمرار في السلطة، وهذا ما كشف عنه المفكر أنطون مقدسي في كتاباته. فالابن بشار لا يملك أي قدرات أو مواهب ليحكم، فهو ورث الحكم، وظنّ سورية ملكية خاصة؛ مزرعة؛ مدجنة. لذا سيكون حاكماً أبلهاً، ظالماً، طاغيةً يتخبط في الجهل؛ بالتالي ستكون سياسته ضد العقل والحكمة الإنسانية. فهو ليس أكثر من فرد من أفراد الشعب، ليس ملكاً ولا رئيساً حتى ولو ولد ملكاً - فهو في الحالة السورية - وهذا ما نلاحظه في سخرية أنطون مقدسي التهكّمية: إلى سيادة الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية اسمح لي أن أهنّئك بالرئاسة الأولى، وأيضا بكلمات وردت في بيانك، حقاً واعدة (احترام الرأي الآخر – ترجيح وجهة نظر الدولة على وجهة نظر الزعامة…).
ما آلم الفيلسوف أنطون مقدسي في رسالته التي تنزّ غضباً؛ أنّ سورية منذ استقلالها عام 1946 لم تلد رجالاً يكافحون حتى الموت من أجل كرامة شعبها بأثنيّاته وطوائفه ومذاهبه كأي شعب على وجه هذه الكرة، ولا من أجل وحدة أراضيها. أغلبهم جاؤوا بانقلابات عسكرية لخدمة أجندات دول كبرى وعظمى وما بينهما؛ من حسني الزعيم إلى حافظ الأسد، فحكموا وتحكّموا وملكوا سورية وقد تم مهرهم بختم السلطة الغيبية. أنطون مقدسي المثقف الحكيم الثائر الذي أثاره أن يحكم (الولد) بوصيّة (أبيه)، فيهدر حقّ ودم السوريين- حقوقهم الإنسانية في أن يتداولوا السلطة بالقرعة، فلا ترتهن حياتهم وسوريتهم لـ(وصية)؛ للعبودية المطلقة، ولحاكم مطلق الصلاحيات ويتحرروا من سلطة الإرادة وسلطة الفعل، وما عليهم إلا الطاعة، وما عليهم إلا؛ إلا العصيان.
