عربي
تقترب السعودية من الخطوات التنفيذية لإطلاق بورصة المعادن، في خطوة تعكس التزام الدولة برفع مستويات الاستثمار وتوسيع قاعدة الأدوات المالية المتاحة للمستثمرين المحليين والأجانب، ما سلط الضوء على مدى إسهامها في تحسين استثمار الأفراد وزيادة دخل الأسر وانعكاسها على مجمل اقتصاد المملكة.
ويأتي هذا الإجراء ضمن حزمة شاملة من الإصلاحات التي تستهدف تحويل المملكة إلى مركز مالي عالمي، حيث اتجهت سلطات المملكة مؤخرا إلى فتح أسواق رأس المال أمام جميع المستثمرين الأجانب اعتبارا من الأول من فبراير/شباط المقبل.
وتسهم بورصة المعادن المرتقبة في توفير فرص استثمارية متعددة للأفراد والعائلات السعودية، إذ تتيح لهم الوصول المباشر إلى سوق المعادن النفيسة والصناعية، وهي سوق يتسم بمستويات عالية من السيولة والاستقرار النسبي، وذلك في ظل توفير المعادن، وخاصة الذهب والفضة.
من جانب آخر، يفتح إطلاق بورصة المعادن آفاقاً جديدة لتنويع محافظ الاستثمار الفردية، حيث تتمتع المعادن بارتباط منخفض مع الأسهم والسندات التقليدية، ما يساعد المستثمرين على تقليل المخاطر العامة لمحافظهم الاستثمارية، وقد أظهرت الدراسات الاقتصادية أن الاستثمار في السلع والمعادن يوفر بديلاً قيّماً للمستثمرين الذين يسعون إلى الحماية من تقلبات أسواق الأسهم والسندات التقليدية، خاصة في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، بحسب تقرير نشرته منصة Eureka Securities، المتخصصة في تحليل الأسواق العالمية.
أما على المستوى الاقتصادي الكلي للمملكة، فإن تطوير قطاع المعادن والتعدين ينعكس مباشرة على معدلات النمو الاقتصادي غير النفطي، وتتوقع المملكة أن يرفع قطاع التعدين والمعادن مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 17 مليار دولار عام 2024 إلى 75 مليار دولار بحلول عام 2030، بدعم من خطة استثمارية بقيمة 100 مليار دولار موجهة للمعادن الحرجة حتى عام 2035، حسب تقرير نشرته وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني.
وتتمحور الفوائد الاقتصادية الأوسع حول خلق فرص عمل جديدة ومستدامة في مختلف حلقات السلسلة الإنتاجية، بدءاً من التنقيب وحتى المعالجة والتصنيع المتقدم.
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ "العربي الجديد"، إلى أن قطاع التعدين يمثل المحرك الاقتصادي الثالث في السعودية بعد النفط والبتروكيماويات، ومن المتوقع أن يتحول، ضمن رؤية 2030، إلى مصدر رئيسي للنمو الاقتصادي، والصادرات وفرص العمل. ويستند هذا التحول إلى تقديرات تشير إلى أن الاحتياطيات المعدنية في المملكة ضخمة، وتقدر قيمتها بنحو 5 تريليونات ريال سعودي، ما يمنح السعودية موقعا استراتيجيا في سلاسل الإمداد العالمية، ويؤهلها لأن تصبح مركزا إقليميا لصناعات الطاقة المتجددة والمعادن المستقبلية مثل الليثيوم والنحاس والمعادن المستخدمة في صناعة البطاريات والنقل الكهربائي.
ويضيف عايش أن وجود سوق منظم للمعادن سيرفع درجة الشفافية في تسعير هذه الأصول، ويقلل من المضاربة غير الرسمية، فضلاً عن توفير بيانات لحظية تساعد المستثمرين وصناع القرار على اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويشدد على أن لهذا الأثر المباشر على الأسر من خلال تحسين العوائد الاستثمارية، وتنويع محافظهم المالية، وحماية مدخراتهم من التآكل الناتج عن التضخم.
كما يشير عايش إلى أن إنشاء البورصة من شأنه أن يولد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات متعددة، من شركات الوساطة والتحليل المالي، إلى خبراء تسعير المعادن، وقطاعات اللوجستيات والتخزين والشحن، التي ستشهد تطورا ملحوظا لمواكبة نشاط السوق الجديد، لافتا إلى أن هذه الوظائف ستكون ذات أجور أعلى نسبيا، ما يرفع دخل الأسر بشكل غير مباشر.
ومن زاوية أوسع، يرى عايش أن بورصة المعادن ستعزز جاذبية الاستثمار الأجنبي، وتدعم تسريع تطوير المناجم وتمويل المشاريع المرتبطة بها، وسترسخ مكانة السعودية مركزاً إقليمياً لتداول السلع، وسيترافق ذلك مع نمو في القطاعات الداعمة مثل البنوك والتأمين والموانئ والنقل، وجميعها ركائز أساسية في استراتيجية رؤية 2030.
يخلص عايش إلى أن بورصة المعادن تمثل نقلة نوعية في التحول الاقتصادي السعودي، إذ لا تقتصر على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، بل تؤسس لاقتصاد قائم على الموارد الطبيعية غير النفطية، يتيح للمواطنين المشاركة الفعالة فيه، سواء عبر الاستثمار المباشر، أو عبر الانخراط في الوظائف الجديدة، أو حتى عبر تأسيس مشاريع مرتبطة بالسوق.
